…ولكن العلم القادم من الغرب كان فعلًا يعج بالنظريات الفاسدة، والأفكار الفلسفية المنحرفة، ولكنه كان يراد له أن يؤخذ على عجره وبجره، فإن تصفيته من الشوائب تلزمنا بالرجوع إلى معايير وأخلاقيات الإسلام، وهو الشيء الذي لم يكن يعجب المنبهرين بالحضارة الغربية اللادينية التي اكتوت بنار الدين المحرف، فقد نشأت في أذهانهم نفس العقدة، فحاولوا افتعال صراع آخر بين العلم والدين، ولكنه هذه المرة بين الدين الصحيح وبين العلم، يقول: (طه حسين) :"سبيل النهضة بينة واضحة مستقيمة ليس فيها عوج، ولا التواء، وهي: أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب" (1) ، ويقول أحد دعاة العلمانية الأتراك:"إنا عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين، حتى الالتهابات التي في رئيهم والنجاسات التي في أمعائهم" (2) ، هنا نلمس افتعالًا للصراع بين العلم والدين، وإلا فما هي الفائدة من أخذ كل ما عند الغربيين من خير أو شر مع الاعتراف بأن منها ما هو شر محض، ولا دليل على هذا الاعتراف أعظم من تسميته بالنجاسات، إن السبب الوحيد لعدم التفريق بين الخير والشر اللَّذين عند الغربيين وأخذهما معًا في إناء واحد وفي لقمة غير سائغة: أن معيار قياس الخير والشر الذي عندهم هو الدين الذي عند المسلمين، وهؤلاء _ العلمانيون _ لا يريدون الحديث عن الدين بل يريدون إقصاءه عن واقع الحياة، فإذا ميزنا ما عند الغربيين على أساس الدين لم يكن لإقصاء الدين معنى، ومن ثم لا يكون للادينية التي يرومونها وجود. ولذلك نلحظ أن مثل هذه العبارات التي تدعو إلى أخذ كل ما عند الغربيين من خير أو شر (بهذا الإطلاق) قلَّت
(1) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، د. محمد محمد حسين رحمه الله: 2/229.
(2) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، د. محمد محمد حسين: 2/229.