ومذهب الحنابلة، على خلاف ذلك، فقد ذكر موفق الدين بن قدامة [1] "وإن ماتت حامل لم يُشق بطنها، وتسطو عليه القوابل فيخرجنه، ويحتمل أن يشق بطنها إذا غلب على الظن أنه يحيا".
وجاء في حاشية سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب [2] "إذا ماتت حامل وفي بطنها ولد يتحرك وترجى حياته لم يشق بطنها مسلمة كانت أو ذمية، وتدخل القوابل أيديهن في فرجها فيخرجن الولد من مخرجه، فإن لم يوجد نساء لم يسط الرجال عليه، لما فيه من هتك الميتة، و يترك حتى يتيقن موته، ومذهب مالك واسحق نحو هذا، ويحتمل أن يُشق بطنها إذا غلب على الظن أنه يحيّ، وهو مذهب الشافعي، لأنه إتلاف جزء من الميت لإبقاء حي، ولنا أن هذا الولد لا يعيش عادة ولا يتحقق أنه يحي، فلا يجوز هتك حرمة متيقنة لأمر موهوم".
وقد ناقش هذا الرأي ابن حزم بقوله [3] "ولا معنى لقول أحمد رحمه الله، تدخل القابلة يدها فتخرجه لوجهين: أحدهما أنه محال لا يمكن، ولو فعل ذلك لمات الجنين بيقين قبل أن يخرج، ولولا دفع الطبيعة المخلوقة المقدرة له، وجره ليخرج لهلك بلا شك، والثاني أنه مس فرجها لغير ضرورة حرام".
ورأى ابن حزم في هذا الصدد أقرب إلى الفقه، وما أفقهه بقوله"ومن تركه عمدًا حتى يموت فهو قاتل [4] ، فقد اعتبر أن فعل الجراحة في شق بطن المرأة الميتة لإخراج ولدها، فرضًا لازمًا على الطبيب، فإذا امتنع عن فعله عمدًا كان قاتلًا، لامتناعه عن القيام بالسبب الموجب للنجاة مع قدرته عليه [5] ."
ومؤدى ذلك، أنه يجب شق بطن الميتة لإخراج جنينها الحي، وهو ما صرّح به بعض الفقهاء، بوجوب إخراج الجنين، على أن يترك الكيفية للأطباء، فقد جاء في تحقيق المحلي [6] "أما إخراج الولد الحي من بطن الحامل إذا ماتت، فإنه واجب، وأما كيف يخرج؟ فهذا من شأن أهل هذه الصناعة من الأطباء والقوابل"
وقد يشكل على ذلك، بالقول بأن الخلاف الفقهي كان بصدد شق بطن المرأة الميتة، وما نحن بصدده هو إجراء الجراحة القيصرية لامرأة حية لإنقاذ جنينها.
ويرد على ذلك، بأن هذا يُعد أساسًا شرعيًا لإباحة العملية القيصرية، بشق بطن المرأة الحية إبقاء على حياة الجنين أو إنقاذًا لأمه، إذا كانت الولادة الطبيعية تجعل حياة الجنين أو أمه في خطر.
ولا اختلاف في الحكم الشرعي بين شق بطن المرأة الحية أو الميتة، إنقاذًا لحياة جنينها، لأنه في الحالتين تكون حياة الجنين في خطر، لاستحالة إخراجه بدون جراحة بسبب الظروف المصاحبة للجنين في الحالة الأولى، أو وفاة أمه في الحالة الثانية، ولأن حرمة الميت كحرمة
(1) المقنع في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل الشيباني رضي الله عنه، مكتبة الرياض الحديثة، المملكة العربية السعودية، 1400 هـ 1980 م جـ 1 ص 286.
(2) مطبوعة مع المقنع جـ 1 ص 286.
(3) المحلي جـ 5 مسألة 607 ص 167.
(4) راجع الأستاذ محمد سلام مدكور: الجنين والأحكام المتعلقة به في الفقه الإسلامي، دار النهضة العربية، 1389 هـ 1969 م ص 258 - 259.
(5) من أنصار هذا الرأي أيضًا، الدكتور محمد الشنقيطي، المرجع السابق ص 156.
(6) جـ 5 ص 167 هامش 1.