ثالثًا: أن المفسدة في إهدار حياة المريض، تجُبُ المصلحة في تركه لرأيه المهلك،"ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح" [1] ، والتوجيه النبوي واضح في ذلك، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: تأخذه فوق يده" [2] .
يقول ابن حجر العسقلاني في شرح هذا الحديث [3] "قوله: تأخذ فوق يده، كُنى به عن كفه عن الظلم بالفعل إن لم يكف بالقول، وعبر بالفوقية، إشارة إلى الأخذ بالاستعلاء والقوة".
رابعًا: أنه لا يجوز للطبيب أن يساهم في إنهاء حياة المريض، بالامتناع عن إجراء جراحة ضرورية، حتى ولو كان بناءً على طلبه، لأنه لا يعرف مصلحة نفسه، بامتناعه عن تعاطي الأسباب الموجبة لإنقاذها من الهلاك، مع أن الغالب في الإنسان أن يكون حريصًا على نجاة نفسه.
ولهذا نجد ابن حزم الظاهري يقول [4] "... ومما كتبه الله تعالى -أيضًا- علينا استنقاذ كل متورط من الموت، إما بيد ظالم كافرا، أو مؤمن متعد، أو حية أو سبع أو نار، أو سيل أو حيوان، أو من علة صعبة نقدر على معافاته منها، أو من أي وجه كان، فوعدنا على ذلك الأجر الجزيل الذي لا يضيعه ربنا تعالى الحافظ علينا صالح أعمالنا وسيئه، ففرض علينا أن نأتي من كل ذلك ما افترضه الله تعالى علينا".
ولما كان المرض الجراحي المميت يعتبر من أصعب العلل التي تصيب الإنسان، فإنه يجب تمكين الطبيب الجراح القادر بإذن الله تعالى على معافاته منها.
وقد نصت المادة 95 من الميثاق الإسلامي للأخلاقيات الطبية والصحية الصادر سنة 1426 هـ 2005 م، تحت عنوان مسئوليات الطبيب، على أنه"لا يجوز للطبيب أن يساهم في إنهاء حياة المريض، ولو كان ذلك بناءً على طلبه أو طلب وليه أو وصيه وتحت أي سبب كان".
والمساهمة المحظورة، من العموم بمكان، فهي تشمل المساهمة في ذلك، بالقيام بنشاط إيجابي يحقق إنهاء حياة المريض، كما تشمل المساهمة السلبية، بالامتناع عن إنقاذ حياة المريض، ولو كان ذلك بناءً على رأيه المهلك.
انتهى مما سبق، إلى وجوب تمكين الطبيب الجراح من إجراء الجراحة الضرورية، رغم رفض المريض لذلك، بعد استنفاذ كل السبل الممكنة لإقناعه بالعدول عن الرفض، وعدم جواز الاكتفاء بالحل السهل المطبق في الواقع العملي، بأخذ إقرار المريض على رفضه العلاج، لعدم قيام مسئولية الطبيب.
(1) الأشباه والنظائر: لابن نجيم ص 90، الأشباه والنظائر: للسيوطي، ص 87.
(2) صحيح البخاري: جـ 5 كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا، حديث رقم 2444 ص 98، والنص له، صحيح مسلم بشرح النووي جـ 16 كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا ص 137 - 138.
(3) فتح الباري بشرح صحيح البخاري جـ 5 ص 98.
(4) المحلي جـ 11 مسألة 2115 ص 19.