إن الحكمة من إباحة المُحرم عند الاضطرار هو التيسير والأتباع ليس إلا، فالشريعة الإسلامية الحنيفة إنما جاءت لمصلحة العباد بعد عبادة الله عز وجل، ولحكمته وعلمه بالغيب سبحانه وتعالى علم أن سيكون هناك كثير من حالات الشدّة والاضطرار في حياة الناس ويكاد لا يخلو منها احد من بني أدم عليه السلام، ومن أجل المحافظة على التدين وحمايته وتحصين النفس بالمعاني الدينية شُرعت العبادات كلها، فهي لتزكية النفس وتنمية روح التدين وإن المصلحة الإنسانية التي تحققها الأحكام الاسلامية وتثبتها النصوص الدينية هي المصلحة الحقيقة، وهي ترجع إلى المحافظة على أمور خمسة: الدين، والنفس والمال، والعقل، والنسل، وذلك لأن الدنيا التي يعيش فيها الإنسان تقوم على هذه الأمور الخمسة، ولا تتوافر الحياة الإنسانية الرفيعة إلا بها ولذلك كان تكريم الإنسان في المحافظة عليها، فالدين لا بد منه للإنسان كي تسمو معانية الإنسانية عن دركة الحيوان لأن التدين خاصة من خواص الإنسان، ولا بد أن يسلم له دينه من كل إعتداء، وقد حمى الإسلام بأحكامه حرية التدين، فقال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ الدِّينِ الدِّينِ تَبَيَّنَ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} ونهى عن الفتنة في الدين واعتبر الفتنة فيه اشد من القتل، فقال سبحانه {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ (( (( (( (( (( } .
والمحافظة على النفس هي المحافظة على حق الحياة العزيزة الكريمة والمحافظة على النفس تقتضي حمايتها من كل اعتداء عليها بالقتل أو قطع الأطراف أو الجروح، كما أن من المحافظة على النفس المحافظة على الكرامة الإنسانية بمنع القذف والسب وغير ذلك من كل أمر يتعلق بالكرامة الإنسانية، أو بالحد من نشاط الإنسان من غير مبرر له فحمى الإسلام حرية العمل وحرية الفكر والرأي وحرية الإقامة وغير ذلك مما تعد الحريات فيه من مقومات الحياة الإنسانية الكريمة الحرة التي تزاول نشاطها في دائرة المجتمع الفاضل من غير اعتداء على أحد.