يقول تعالى: {وَلَا تَبْخَسُوا أَشْيَاءَهُمْ أَشْيَاءَهُمْ} (1) ، وها نحن لن نبخس الطب الحديث (وفي غالبيته غير إسلامي لتنح المسلمين عن دورهم المطلوب في هذا الجانب) حقه، له ماله وعليه ما عليه.
وفي الحقيقة، لا وجه للمفاضلة بين الطب القديم والطب الحديث، ذلك أن الأخير من أهم إنجازات عصر العلم الحديث، الذي يستند إلى تقنية متقدمة في التشخيص والعلاج ويعتمد على علوم تجريبية كالتشريح والفسيولوجيا وعلم الأنسجة والعقاقير، وغيرها مما لم يكن الأقدمون يعرفون عن أمرها إلا الشيء اليسير، ولقد نجح الطب الحديث في استئصال أوبئة وأمراض كانت مزمنة ومتوطنة في الحضارات القديمة، كالجدري وشلل الأطفال، فضلًا عن انخفاض وفيات الأطفال إلى أدنى مستوى، وارتفاع متوسط عمر الإنسان وخاصة في المجتمعات غير الإسلامية، وذلك من نتائج التحضر والتقدم الحاصل، والواقع أن الإشارة إلى بعض إيجابيات الطب القديم التي غفل عنها الطب الحديث لا تعني بحال ما ترجيح الأول على الثاني، وإنما تهدف المقارنة بين الأسس الفلسفية لكل من النسقين إلى تأكيد أمرين (2) .
الأول: إن النزعة العملية التجريبية في الطب الحديث لم تحرره من كل تصور فلسفي، لأن هذه النزعة المستندة إلى مقولة (ما ليس تجريبيًا فهو ليس علميًا) إنما هي بدورها اتجاه فلسفي تعارضه مذاهب فلسفية أخرى متكافئة معه.
الثاني: إن المقارنة بين الأسس الفلسفية لكل نسق من النسقين تكشف عن بعض السلبيات في المسيرة الطبية الحديثة، دون أن تبهرنا إنجازاتها إنبهارًا يغشي أبصارنا، لقد رسخ في الأذهان حينًا من الدهر يتجاوز قرنًا من الزمان أن كل نتائج