والقسم الثالث من الدراسة حول وضع الشريعة للتكليف بها مما بحثه في اثنتي عشرة مسألة، متعلق بقدرة المكلف على ما كلف به، فإن كان التكليف غير داخل تحت كسب المكلف فطلب الشريعة له مصروف إلى ما تعلق به وإن كان التكليف تحت كسبه فالطلب على حقيقته، وإن كان التكليف مما يشتبه في أمره كالحب والبغض والشجاعة والجبن مما هو داخل على المرء اضطرارا، فإن كان من أصل الخلقة فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وإن كان لهذه الصفات بواعث تدخل في كسب المكلف طولب بالبواعث كما هو شأن الهدية الباعثة على المحبة في قوله - صلى الله عليه وسلم:"تهادوا تحابوا".
والقسم الرابع متعلق بقصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة والامتثال لها، وهو إخراجه من داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا. وقد فرع في هذا القسم عشرين مسألة بين فيها بطلان العمل المبني على الهوى، وما هو أصلي من المقاصد الضرورية العينية المعتبرة في كل ملة وزمان والقائمة على المصالح العامة المطلقة الخاصة بحفظ الضرورات الخمس، وما هو أصلي من المقاصد الكفائية التي لا تقوم الحياة إلا بها كالقضاء والإفتاء والإدارة والحكم. كما قسم هذه المقاصد إلى ما هو متعلق بالعبادات والأصل فيه التعبد دون الالتفات إلى المعنى ولا تفريع فيه ولا نيابة؛ وإلى ما هو متعلق بالعادات والمعاملات التي ليس في نفيها أو إثباتها دليل شرعي، كمجمل المحاولات الدنيوية للكسب والتصرف، والأصل فيها الالتفات إلى المعاني وقابلية التفريع والنيابة.
لقد كان ما كتبه الشاطبي في موافقاته انعكاسا لواقع عصره الآيل في الأندلس للانهيار، ومحاولة من فقيه غيور على دينه وأمته لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لاسيما والردة الاضطرارية على الأبواب بتحكم الفساد وضعف الدولة عن مدافعة الصليبي المتحفز على الحدود، وتقلص إيمان الغالبية وضمور التزامها بتعاليم الشريعة، فرأى أن يحاول ربط الأمة بمقاصد الدين بعد أن أضاعت ركائز بنائه المتين. إلا أن صوته لم يسمع قط في عصره، وطرد المسلمون أذلة مذعورين، بعد أن تركوا خلفهم