فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 356

ولئن كانت الأحكام المبنية على أساس المصلحة وحدها أقرب إلى القانون الوضعي، فإن ذلك من أسباب اختلاف الفقهاء حولها وانقسامهم في أمرها إلى ثلاثة طوائف:

طائفة التزموا النص، فلا يعرفون المصلحة إلا من خلال النصوص، فإن بينت النصوص مصلحة تشريع ما عرفوه، وإن سكت النص لم يلتمسوا طريقا آخر، وفي مقدمة هؤلاء فقهاء المذهب الظاهري الذين وقفوا من القياس موقفا سلبيا.

وطائفة التمسوا المصالح من العلل المنصوص عليها، فإن كان للمصلحة شاهد من دليل خاص أخذوا به، ولا اعتبار عندهم لغير ذلك؛ وهذا الموقف منهم احتياط من الوقوع في الهوى الموهم للمصلحة.

وطائفة ثالثة يأخذون بكل ما يلائم المقاصد في حفظ الضرورات وتوابعها، مما لم يشهد له الشرع بالاعتبار أو الإلغاء. ومنهم الإمام مالك الذي قيد المصلحة المرسلة بثلاثة شروط هي: أن تكون معقولة تقرها العقول السوية، وأن يكون في الأخذ بها رفع لحرج لازم، وأن تلائم مقاصد الشرع؛ فإن توفرت فيها هذه الشروط خصص بها عام القرآن وردت بها أخبار الآحاد؛ وذلك لأنه يرى القطعية في المصلحة، والظنية في عام القرآن وأخبار الآحاد، ومن المقررات الفقهية أنه إذا تعارض ظني مع قطعي خصص الظني بالقطعي. ومن قبل الإمام مالك كان الإمام أبو حنيفة يعمل باستحسان الضرورة القائم على رعاية المصالح ورفع الحرج.

أما الاجتهاد الشافعي على رغم إبطال إمامه لمبدأ الاستحسان، فإنه ميز بين الاستحسان المبني على مصلحة حقيقية، وبين المبني على مصلحة موهومة ليس لها شاهد من الشرع؛ كما شرح ذلك الإمام الغزالي في"المستصفى"؛ وكما ذهب إليه العز بن عبد السلام بما سماه"الاستدلال الصحيح" [1] ، وعده خامس الأدلة بعد الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

(1) - قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ص 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت