3 -الحكومة في الديموقراطية غير المباشرة تمارس السلطة الفعلية نيابة عن الشعب وباسمه، ضمن نسق"حاكم ومحكوم". أما في الخلافة الراشدة فالحاكم هو الأمة والمحكوم هو الجهاز التنفيذي ـ الحكومة ـ، الذي يُعَدُّ خادما تعينه الأمة بإرادتها وتحت سلطتها، وتقيله أو تعفيه حسب مشيئتها، وتقره إلى أجل مسمى بكامل حريتها. هذا بغض النظر عن مثالب الديموقراطية غير المباشرة التي حفلت بها كتب الفقه السياسي المعاصر، ولا جدوى من إيراد تفاصيلها في هذه الدراسة.
إن النظم السياسية في الفكر البشري، وإنْ كانت منتمية في مجموعها إلى التراث اليوناني الوثني، فإنها تُعد امتدادا للفلسفة الإشراقية، هنديةً وصينيةً وفارسيةً وآشوريةً وبابليةً، وكلها أيضا وثنية، ولا تخطط إلا لفترات محدودة من الحياة المادية في الدنيا. أما النظام الإسلامي فيستمد مبادئه ومناهجه وأهدافه من الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. الوحي المبني على العلم الدقيق المطلق، والحكمة البالغة التي ميزت بين ما يصلح للبشر ويصلحهم، وبين ما يضر البشر ويفسدهم. وشتان بين النهج الرشيد الشامل المتكامل في عالمي الغيب والشهود، وبين هرطقات مبتذلة وتخيلات وهمية ومحاولات قاصرة.
لقد كان همُّ الخليفة الراشد إشعار نفسه بأنه خادم للأمة؛ ينفذ قراراتها ويطبق شريعتها، ويبني في نفس الوقت مؤسسات الدولة ومرافقها. هذه الممارسات الرشيدة هي التي وضعت اللبنات الأولى للخلافة. وعلى ضوء محاكمتها إلى القرآن والتاريخ يتضح جليا أنها كانت تجربة فذة رائدة. فالراشدون وُجدوا ضمن أمة أمية، حديثةِ عهدٍ بتربية نبوية شفوية وعملية، ورثت أثقالا من بقايا صراع قبلي وتراث جاهلي، كادت تطيح بأصل الدين عقب وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ومع ذلك استطاعوا أن يقطعوا مسافات شاسعة في طريق بناء الدولة النموذجية، وتركوا لنا تجربة خصبة ثرية قابلة للتطوير والتجديد، وأسسا متينة صالحة للبناء والتشييد:
ـ تغلبوا على فتن الردة وكبحوا جماح النفاق، وأعادوا للأمة وحدتها وهيبتها