-ومما ينبغي أن نعلم أن اقتران الأسماء الحسنى بعضها ببعض يعطيها حسنًا مضاعفًا، فكل اسم من أسماء الله الحسنى قد بلغ الغاية في بابه، وإذا انضم إلى اسم أخر حصل من اجتماعهما حسنٌ مضاعف، وهذا مثلاٌ بديع وهو قول الله - سبحانه وتعالى - (فإن الله كان عفوا قديرا) - أي أن عفوه مع قدرته وأعظم ما يكون العفو إذا كان مع المقدرة، إذ العفو مع العجز ليس منقبة - أليس كذلك -، وإنما يكون العفو محل حمدٍ وثناء إذا كان مع المقدرة نضرب مثال لتوضيح هذا: لو أن سلطان من السلاطين خرج عليه خارج، أو بغى باغٍ، وناوشه وقاتله، ثم بعد ذلك تمكن منه ووقع في قبضته، فعفا عنه، فهذا عفو مع المقدرة، وهو عفو حميد من أعظم درجات العفو، ومثله صنيع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح حينما دخل مكة عنوةً، وقام فوق بطون قريش قائلًا: ما تظنون أني فاعلٌ بكم، فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم - يستلينونه فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، هكذا العفو يكون عفو مع مقدرة، لكن أرأيت أن إنسان ضعيف تسلط عليه متسلط وضرب بشرته، وأخذ ماله، وأنبه وزجره بغير حق، فقال هذا المسكين الصعلوك لظالمه: اذهب فقد عفوت عنك، أيكون هذا العفو كالعفو الأول؟ بالطبع لا يكون هذا العفو كالعفو الأول؛ لأنه قد يقول له قائل: عفوت أو لم تعفو ليس بيدك من الأمر شيء.
-ثم تأملوا أيضًا أن من الناس من يعفو لعدم القدرة، ومن الناس من يقدر ولا يعفو فيبطش ويظلم ويتعد حده، أما الله سبحانه وبحمده فإنه عفوا قدير، يجتمع في حقه الوصفان العفو والقدرة معًا.
• وَقَوْلُه ُ: - (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) - [النور/22] . جاءت هذه الآية في قصة الإفك، حينما وقع المنافقون وتبعهم بعض ضعاف الإيمان في شأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكان منهم من كان أبو بكر - رضي الله عنه - ينفق عليه، فلما تبين حاله حلَف أبو بكر - رضي الله عنه - أن يقطع عنه النفقة فأنزل الله - سبحانه وتعالى - (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) - معنى ولا يأتلٍ: من الألية وهي اليمين، الحلف- فنهى الله - سبحانه وتعالى - أن يحلف الإنسان عن مثل هذا قال - (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) - فما كان من أبي بكر - رضي الله عنه - إلا أن أعاد نفقته.
• وفي الآية من التهييج والتحريض مالا تتسع له عبارة، (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ) فلا شك أن الجواب بَلا نحب أن يغفر الله لنا، إذًا فاعفوا واصفحوا.
• وسمى الله - عز وجل - نفسه بهذين الاسمين (غفور رحيم) وقد تقدم معنا كثير.
-وَقَوْلُه ُ: - (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ) - [المنافقون/8] ، قدم الجار والمجرور للدلالة على الاختصاص، والعزة هي: القوة والمنعة والغلبة، فالعزة تكون عزة منعة، وعزة قوة، وعزة غلبة سبحانه وبحمده كل ذلك مجتمع له، وهي مأخوذة من قول العرب: أرض عزَاز، يعني صلبة ليست رخوة، والناس عندنا يقولون: (أرض عزه) ، وهي قريبة منها ومن نفس الاشتقاق.
- (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) هذه الآية لما قال عبد الله بن أُبي بن سلول: لئن رجعنا إلي المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يقصد بالأعز نفسه، وبالأذل رسول - صلى الله عليه وسلم -، فرد الله - عز وجل - عليه قوله فقال: