الصفحة 58 من 280

-عُو جيدً هذا، إرادة الله - عز وجل - تنقسم إلى قسمين إرادة كونية وتسمي قدرية، وإرادة شرعية وتسمي دينية.

ما الفرق بين الإرادتين؟ الفرق بينهما من ثلاثة أوجه:

الأول: الإرادة الكونية لابد من وقوعها، الإرادة الشرعية قد تقع وقد لا تقع.

الثاني: الإرادة الكونية قد يحبها الله ويرضاها، وقد لا يحبها ولا يرضاها، أما الإرادة الشرعية فإنه يحبها ويرضاها ولابد.

الثالث: الإرادة الكونية قد تكون مقصودة لذاتها وقد تكون مقصودة لغيرها، أما الإرادة الشرعية فهي دومًا مقصودة لذاتها.

أمر رابعًا: الإرادة الكونية تعني المشيئة، والإرادة الشرعية تعني المحبة.

فلنبين هذا بشكل مبسوط:

سنجد في كتاب الله التعبير بالإرادة في عدة مواضع، ولابد لنا أن نميز بين نوعين من الإرادة، إن لم نميز بينهما؛ فإننا سنقع في ضلال، فإما أن نكون جبرية، وإما أن نكون قدرية إن لم نميز بينهما، فإن ميزنا بينهما سلمنا من الخطأ.

-الإرادة الكونية هي المشيئة، الإرادة الشرعية هي المحبة.

-الإرادة الكونية لابد من وقوعه؛ لأنه ما الله كان وما لم يشاء لم يكن، ما دليلها؟ قوله - سبحانه وتعالى: - (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) - [النحل/40] إذا الإرادة الكونية لابد من وقوعها.

-الإرادة الشرعية قد تقع وقد لا تقع. ما مثال ذلك؟ قال - سبحانه وتعالى:- (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) - [البقرة] ومع ذلك يلحق الناس عسر إذا لم يتبعوا شرعه لحقهم العسر، إذا هذه إرادة قد تقع وقد لا تقع، إذا عرفنا أنها شرعية - (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) - [البقرة] هذه الإرادة الشرعية.

قال - سبحانه وتعالى:- (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) - [الأحزاب] فأهل البيت إذا امتثلوا ما تقدم من الأوامر واجتنبوا ما تقدم من النواهي، فإنه يحصل لهم هذا المراد، ولو قدر الأمر الآخر حاشهم لم يحصل المراد، إذًا هي إرادة شرعية.

-ننتقل للفرق الثالث: الإرادة الكونية قد تكن مقصودة لذاتها، وقد تكون مقصودة لغيرها، فمثلًا أردا الله كونًا خلق محمد - صلى الله عليه وسلم -، مراد لذاته أو ليس لذاته؟ لذاته.

-أراد الله كونًا خلق إبليس، هل هو مراد لذاته أو ليس لذاته؟ ليس لذاته، لم يرد خلق إبليس لذات إبليس.

الإرادة الشرعية دومًا مراده لذاتها، أقيموا الصلاة، أتوا الزكاة، أراد الله منا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لذاتها لذلك كل إرادة رعية فهي مراده لذاتها.

وزيادة بيان لما تقدم نقول: الإرادة الكونية قد تكون مقصودها لذاتها كخلق محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الله تعالى يُحب ذلك ويريده لذاته، أما خلق إبليس فلا يريده لذاته ولكن لما يترتب عليه، فإن قال قائل ماذا خلف إبليس من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت