ومن ثم يتبين وجه التناسق بين هذه الآية وبين الترجمة والباب، فهذه الآية فيها نهي أن يعبد الله في مكان أريد فيه الكفر والنفاق، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - بديهي أنه إذا صلى في هذا المسجد فانه إنما يصلي لله عز وجل فكانت العبادة لله، ولكنه صلى هذه الصلاة في مكان أنشأ لغير الله.
وهذا يلحق به ما ترجم به المصنف رحمه الله بالذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله. فالذبح عبادة كانت لله؛ ولكن المكان ذبح وعبد فيه غير الله أو مع الله شريك، وهذا وجه للتناسب مع هذه الترجمة والآية قوي وجيه.
قوله [عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانه]
ببوانه: (الباء) هنا يأخذ معنى (في) الظرفية، أي: في بوانه، وبوانة كما قال أبو السعادات ابن الأثير رحمه الله في (النهاية) هي هضبة من وراء ينبع. وزاد ياقوت الحموي في (معجم البلدان) كما حكاه عنه غير واحد: أنها هضبة من وراء ينبع تقرب من ساحل البحر، قريب منها ماءٌ يسمى (القصيبة) وماءٌ آخر يسمى (المجاز) .
وهذا هو القول المعتبر المعتمد في التعريف بـ (بوانة) .
قوله [فسأل النبيُ - صلى الله عليه وسلم - فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا] العيد هو ما اجتمع فيه ثلاثة أمور: ــ
* الأول: أن يكون شيءٌ عائد.
* والثاني: أن يكون فيه أناس مجتمعون.
* والثالث: أن تتبع تلك الجماعة في ذلك المكان أو الزمان العائد أعمال ربما كانت عادات أو عبادات أو الأمران مجتمعان.
فهذا هو العيد وهذه حقيقته الشرعية والعرفية، كما قال ابن تيمية رحمه الله في (اقتضاء الصراط المستقيم) . وفي هذين السؤالين منه - صلى الله عليه وسلم - فائدة تتعلق بالمقصود من السؤال، حيث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل عن وجود الشرك نفسه، فلما نفي وجوده، أتبعه بالسؤال عن الذرائع الموصولة إلى الشرك، وهذا فيه حماية تامة لجناب التوحيد، فسؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - الأول هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ فهو واضح الدلالة عن أنه يسأل عن وجود الشرك نفسه لأن عبادة غير الله شرك واضح، ثم سؤاله الثاني - صلى الله عليه وسلم - بقوله: هل كان فيه عيد من أعيادهم؟ لأن ذلك ذريعة من ذرائع الشرك، إذ العيد لا يذم بأصله، وإنما يذم بما يتبعه من أعمال أو بما يلحق زمانه أو مكانه من تعظيم شركي ونحو ذلك، إذ إن المشركين ربما اتخذوا هذا المكان الذي سأل عنه السائل وأراد أن ينحر إبله فيه ربما اتخذه الجاهليون عيدًا يتعاودونه