مسألة: في حديث علي رضي الله عنه السابق لعنُ أجناسٍ اتصفت بصفاتٍ ذُكِرتْ، فهل يحتج به على جواز اللعن مطلقًا لمن استحقه أم لا؟ اعلم أن اللعن على مراتب ثلاث: ـ
ـ المرتبة الأولى: اللعن بالوصف الأعم كقولك: لعنة الله على الكافرين والفاسقين، حيث نزل اللعن على جنس الكفار والفسقة لا على طائفة أو شخص منهم.
ـ المرتبة الثانية: اللعن بوصف عام دون الأعم، كلعن طائفة من الكفار كاليهود، أو من المبتدعة كالجهمية.
ـ المرتبة الثالثة: اللعن لشخص معين إما كافر أو مبتدع أو فاسق مستحق للعن.
فالمرتبتان الأولى، والثانية دلت النصوص المتكاثرة على جواز لعنهم، وعليه جماهير أهل العلم، وإنما وقع الخلاف في المرتبة الثالثة، قال شيخ الإسلام: (لأصحابنا فيها أقوال) : ـ
أحدها: أنه لا يجوز بحال، وهو قول أبي بكر عبد العزيز ـ يعني ابن جعفر صاحب الخلال ـ.
والثاني: يجوز في الكافر دون الفاسق. والثالث: يجوز مطلقًا.
وقال رحمه الله (والمعروف عن أحمد كراهة لعن المعيّن، كالحجاج بن يوسف وأمثاله) اهـ.
وما أخرجه مسلم في صحيحه مرفوعًا (اللهم إني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة) فيه دلالة على وقوع اللعن من النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض المعينين من المسلمين تعزيرًا لهم، وأن ذلك اللعن وقع باجتهاد منه - صلى الله عليه وسلم - لا بوحي.
وكذلك ورد عن جمع من أهل السلف اللعن المعين لمن يستحقه، فقد روى البخاري في (خلق أفعال العباد) عن وكيع أنه قال (على المريسي لعنة الله، يهودي هو أو نصراني) .
وروى عبد الله بن أحمد في السنة عن شاذ بن يحي أنه لعن المريسي، وكذلك روى عن أبي نعيم الفضل بن دكين أنه قال: (لعن الله بشر المريسي الكافر) وبنحوه روى اللالكائي في (شرح اعتقاد أهل السنة) عن أبي حاتم الرازي، إلى غير ذلك من الآثار الدالة على وقوع اللعن المعين.
ولا ريب أن اللعن المعين للكافر الحي ليس كاللعن المعين للمسلم الفاسق المستحق للعن لعموم دخول الكافر في لعنة الله للكافرين، ولجواز قتله وقتاله، ولوجوب إعلان البراءة منه.
وأما الفاسق المِلّي المستحق للعن فالحال معه كما قال شيخ الإسلام (أما لعنة المعين فالأولى تركها، لأنه يمكن أن يتوب) وهو يشير ـ رحمه الله ـ هنا إلى موانع لحوق اللعنة مثل: التوبة والاستغفار، والحسنات المتكاثرة، وغير ذلك.