وإما أن يكون عن جهل، وللجهل صورتان: ــ
الأولى: أن يكون يمكن رفعه ولكنه فرط في رفعه فهو مجزي على تقصيره وتحت وعيد الله ويجب عليه أن يسأل أهل الذكر والتقى ويتعلم ما جهل حتىلا يقع في تحليل ما حرم الله أو في تحريم ما أحل الله، ويجب عليه أن يتبع الدليل وأن يعول على كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - مهما خالفه المخالفون وهذا إذا كان عنده أهلية لمعرفة الدليل ودلالته وصحة ذلك كالمجتهد، أوالمتبع (وهي درجة دون الإجتهاد وفوق التقليد) قد أثبتها بعض الأئمة كالشاطبي في (الإعتصام) و (الموافقات) والشوكاني كما في كتابه (إرشاد الفحول في تحقيق الحق من علم الأصول) .
الثانية: أن يكون جاهلًا وليس عنده أهلية رفعه الجهل فهو بين أوساط ممن يحسبون على العلم وأهله ويحلون للناس ماحرم الله ونحو ذلك، فإثمهم على من يفتيهم، لذلك جاء عند الإمام أحمد وكذا غيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (من أُفتى بغير علم فإثمه على من أفتاه) والحديث فيه كلام، لكن له طرق يتقوى بها، وينبغي أن يلحظ هذا الملحظ وهو هل يعذر الإنسان بالجهل أم لا ومنهج أهل السنة والجماعة وسط بين قولين: ــ
القول الأول: لا يعذر بالجهل بإطلاق.
القول الثاني: يعذر الإنسان بجهله مطلقًا.
وإنما يقولون في المسألة تفصيل إذ أن العذر بالجهل يتحكم به أمور: ــ
أولًا: نوعية المسألة المجهولة، هل هي من ضروريات الدين، هل هي متواترة، هل هي مشهورة، ونحو ذلك أم أنها من المسائل الخفية؟ فقد حاول بعض أئمة الدعوة النجدية ـ الشيخ سعد العتيق ـ في (الدرر السنية) أن يقسم المسائل في هذا الباب إلى خمسة أقسام، وهي مذكورة هناك وجعل منها المسائل الضرورية من الدين الجلية الواضحة المتواترة يكفر جاهلها ولا يعذر، وهناك مسائل دقيقة خفية، وهناك مسائل واضحة، ولكن دلالتها خفية والمقصود أنه ينبغي أن ينظر في نوعية المسألة من حيث قطعيتها وعدمه ومن حيث كونها صحيحة ومن عدمه أيضًا، هل هي مسائل إجتهاد أو لا، كل ذلك يجب أن يراعى.
ثانيًا: ينبغي أن ينظر إلى الدار التي فيها الشخص هل هي مظنة العلم أو مظنة الجهل، وهذا ملحظ مهم يذكره شيخ الإسلام رحمه الله.
ثالثًا: وأيضًا ينظر في الشخص نفسه هل هو حديث عهد بدين حيث جهل بعض المسائل، فمنهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب وسط فإطلاق كلمة لا عذر بالجهل أو يعذر الإنسان بالجهل