فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 293

ومنهج أهل السنة والجماعة معروف واضح في كتب السلف وفي كتب الخلف الذين هم على منهج السلف في هذا الباب، فالتعصب له لا شك أنه صواب لأنه الإسلام فالولاء والبراء لأجل الدين هذا هو الوارد أما العصبية المقيتة التي ذكرنا طرفًا منها فلا شك أنها غير جائزة.

قوله [وعن أنس أن - صلى الله عليه وسلم - قال (وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة) ]

(إذا أراد الله بعبده الشر) فيها تفسيران للسلف رحمهم الله، وهي ترجع إلى مسألة تُنُوزِع فيها، وهي هل ينسب الشر إلى الله أم لا؟ صحح ابن قيم الجوزية في كتابه (شفاء العليل) في مبحث طويل أن الشر ينسب إلى المفعول ولا ينسب إلى الله سبحانه وتعالى، إذ الشر ليس إليه والخير كله من عنده عز وجل، وهذا المعنى هو الذي جزم به غير واحد من أئمة الدعوة رحمهم الله.

فيحمل الحديث حينئذ على إرادة الشر، يعني يجعلها في المفعول لا أن الشر يكون من الله بداءة، وهذا هو الذي يتفق مع ما جزم به ابن القيم رحمه الله. ومنهم من يقول بل ينسب الشر إلى الله سبحانه وتعالى على ظواهر بعض الأحاديث ومنها هذا الحديث الذي يرويه الإمام الترمذي وحسنه، وله شواهد يقوى بها ويحسن، كما قاله غير واحد ومنهم العراقي رحمه الله كما في (تخريج الإحياء) .

قوله [ (أمسك عنه بذنبه) ] أي لأجل الذنب أمسك عنه شيئًا من النعم وشيئًا مما كان يأتي العبد من الخيرات وهذا كله بذنب العبد.

قوله [ (حتى يوافى به يوم القيامة) ] (يُوافى) بضم الياء التحتية مع ياء في آخرها وكسر الفاء قبلها، يقول العلامة العزيزي في كتابه (االسراج المنير في شرح الجامع الصغير) :"المقصود أن الله يحفظ على عبده ذاك كل ما يدلي به من إساءة وذنب ولا ينزل عليه من المصائب والمحن ما تكفر به تلك الذنوب فتكون مؤخرة يستوفي جزاءها وعقابها يوم يلقى الله عز وجل". إذ إن المصائب النازلة على العباد تكون كفارة للسيئات، وهذا هو ثوابها وهذا هو أصح أقوال أهل العلم وجزم به ابن القيم رحمه الله. فإذا نشأ عنها أعمال خيرة من الرضا أو عمل خير ونحو ذلك فلها حسناتها، أي أنه زيادة على تكفير السيئات يتضاعف له الأجر بكسب درجات وحسنات بالطاعات التي ولدتها تلك المصائب والبلايا النازلة عليه فلا تقترن الحسنة مع تكفير السيئة في باب المصائب النازلة على العبد وإنما هي في أصلها تكفير للإساءة فحسب، فإذا ولدت عملًا خيرًا كرضا وصبر وصلاة أو طاعة فلا شك أنها تزيد له من الحسنات وترفع له من الدرجات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت