وأما المعنى الآخر: وقد حكاه الإمام الخطابي رحمه الله وهو أن العرب تحل شهر محرم ثم ترجئ حرمته إلى شهر صفر، وهذا من جنس التلاعب الذي كان يفعله الجاهليون، وإنما يتبعون في ذلك أهوائهم وما تمليه عليهم أنفسهم، فكانوا إذا أرادوا حربًا أو مكرًا بقبيلة يعمدون إلى إيقاع ذلك الأمر الذي فيه سفك للدماء في شهر محرم الذي يعلمون أنه محرم ولا يجوز فيه سفك الدم ولا إقامة المعارك التي توجب ذلك ولكنهم ينقلون حرمة محرم إلى صفر ويقدمون حل صفر إلى المحرم. وهذا التلاعب نهى عنه الشرع وبين أن شهر محرم حرام لا يجوز فيه سفك الدماء ولا إزهاق الأنفس كما ثبت ذلك في غير ما خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قوله [أخرجاه] أي: البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.
قوله [وزاد مسلم (ولا نوء ولا غول) ] (النوء) يعني من الأنواء، وسيأتي معنا الكلام عنها إن شاء الله تعالى، و (الغُوْل) بضم الغين المعجمة وسكون الواو، هي نوع من الجن والشياطين وقد يسميها البعض (بالسَّعالي) وهي ثابتة كما جاء في أحاديث صحيحة أنها كانت تسرق زاد الصحابة رضوان الله عليهم، كما فعلت ذلك بأبي هريرة رضي الله عنه وبغيره من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالغول ثابت ولا يشك فيه إلا من لا يدري الأخبار ولم يعرف صحتها، وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (ولا غول) يعني على المعنى الذي كان عليه أهل الجاهلية، وذلك المعنى ذكره أبو السعادات ابن الأثير في (النهاية) بقوله: كانوا يقولون: إن الغول يَتَغَوَّل لنا في الأرض فيضلَّنا عن الطريق وربما يقتلنا، فيزعمون أن الغول يضر وينفع ويظنون أن الغول له تصرف في الكون فجاء الشرع ليقرر صفات الربوبية لله سبحانه وتعالى بإرجاع تمام التوكل عليه سبحانه وتعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى [ولهما عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة) ]
قوله [ (لا عدوى ولا طيرة) ] سبق معنا بيان هذين الأمرين.
قوله [ (ويُعجُبني الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة) ]
سبق معنا أن الفأل فألان، فأل حسن ومثاله: ما جاء في سنن الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يعجبه إذا سافر أن يسمع يا نجيح، يا راشد) وهذه من الكلمات الحسنة التي تسبب ابتهاج النفس وسرورها بسماعها وقد طبع الله الخلق على حب المنظر الحسن والبهجة عند سماع القول الطيب، وأشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك بقوله (الكلمة الطيبة) .