فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 293

ـ وأما التفسير الآخر (وهو ما جزم به جمع من المفسرين) فهو: حمل قوله تعالى {طائرهم عند الله} على الأمر الأخروي، ويكون معنى طائرهم أي: الوعيد والعقاب الملحق بهم لسوء ما فعلوه ولفساد ما ظنوه، وأن العقاب والوعيد على هذا العمل سيلقونه عند الله تعالى يوم القيامة.

قوله [ {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ] فيه دلالة على أن أكثرهم جاهلون، ومن هنا جزم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكذا غيره أن من الأصول المقررة في الشرع أن الكثرة ليست بدليل على أي شيء صحَّةً وسقما. لذا جاء في صحيح مسلم رحمه الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر النبيين وأممهم وذكر أن من الأنبياء من يَقْدُم على الله يوم القيامة وليس معه أحد من الخلق، فليست الأكثرية بحجة في شيء من الأشياء، لا في صحة دعوة ما ولا في سلامة منهج أو نفي ذلك، وإنما العبرة بما يقال وما يعمل وبالمنهج نفسه.

قوله [وقول الله تعالى {قالوا طائركم معكم} ] هذا من جنس الآية السابقة، وإنما تُفَسَّر على وجهين: ـ

ـ الأول: أنكم أنتم السبب فيما يقع لكم من تشاؤم لضعف قلوبكم، فهي التي توجهت إلى التشاؤم بسبب من الأسباب.

ـ والثاني: أن هذا العمل الذي عملتموه هو معكم، ولذلك فإنه له نواتج عليكم بحيث يسيء إليكم؛ لأنه عمل غير صالح وذنب عظيم، ولكل ذنب شؤم على فاعله، ومن ذلك طائركم.

قال المصنف رحمه الله [وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر) أخرجاه، وزاد مسلم (ولا نوء، ولا غول) ]

قوله [ (لا عدوى) ] هذا نفي، أي أن العدوى لا تنتقل بنفسها إلا إذا قضى الله وقدر سبحانه وتعالى، ومن ثَمَّ لا يتعارض هذا الحديث مع غيره من الأحاديث الصحيحة، كما في صحيح مسلم من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (لا يورد مُمرض على مُصح) فلا يجوز أن يورد مريض فيه مرض معد على صحيح سليم بريء، ولذا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كما في الحديث الذي يرويه الإمام أحمد (فِرَّ من المجذوم فِرارك من الأسد) ، فإذا علم المعنى السابق فإنه لا يتعارض مع هذه الأحاديث وغيرها مما هو وارد في هذا الباب، وذلك أننا ذكرنا أن العدوى بنفسها لا تضر ولا تنتقل بنفسها وإنما الضرر والنفع والانتقال والإصابة بالداء كل ذلك محوط بقضاء الله وقدره، وهو منه سبحانه وتعالى.

وبيان ذلك: أن العدوى سبب، والسبب لا يوجب وقوع المسبَّب إلا بأمرين: ـ

ـ الأمر الأول: توفُّر الشروط والأسباب الأخرى معه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت