قوله [يُحَذِّر ما صنعوا] هذا من كلام عائشة الصديقة رضي الله عنها، وهو من باب التفسير والتوضيح.
قوله [أبرز قبره] الإبراز هو الظهور، والمقصود هنا: إبراز قبره من بيته، وغرفة عائشة إلى المقابر أو الأرض الفسيحة، ولكن لم يُبْرَز للخلق؛ حتى يكون بعيدًا فلا يكون وثنًا من الأوثان التي تعبد، لأنه - صلى الله عليه وسلم - دعى ربه ألا يكون قبره وثنًا من الأوثان يعبد، كما قال ابن القيم رحمه الله في نونيته الطويله: ــ
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
فقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - مدفون في غرفة عائشة رضي الله عنها ثم بعد ذلك أُلحِق به صاحباه أبو بكر وعمر فجعل أبو بكر من جهة رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - بحيث يكون رأس أبي بكر بين كتفي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجعل عمر ابن الخطاب من جهة قدمي النبي - صلى الله عليه وسلم - بحيث يكون رأس عمر بن الخطاب عند قدمي النبي - صلى الله عليه وسلم -. فكان قبره - صلى الله عليه وسلم - متوسطًا لكون أبي بكر بجواره ثم عمر من عند قدميه - صلى الله عليه وسلم -، فإذا أتى الإنسان للسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يقف متوسطًا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توسط قبري صاحبيه، ثم بعد ذلك يُسَلِّم على أبي بكر ثم يُسَلِّم على عمر بن الخطاب رضي الله عن أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - أجمعين، ثم وضع الصحابه رضي الله عنهم جدارين من الركنين الشماليين حتى لا يستقبل القبر من الركنين الشماليين لقبره - صلى الله عليه وسلم - فكانت بمثل الزاوية حتى يكون القبر بعيدًا عن الاستقبال، فلا يستقبله أحد من الخلق، ولذلك مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في (مصنف عبد الرزاق الصنعاني) على أنس بن مالك، وقد استقبل قبرًا، ولعله لا يَدْري عنه رضي الله عنه، فقال له القبر يا أنس، فنظر أنس إلى السماء ظانًا أن عمر يقول له: القمر، فقال: القبر يا أنس، ابتعد عنه، فأخذه جانبًا فأبعده عن القبر.
فكان الصحابة رضوان الله عليهم والسلف وأتباعهم يجتنبون استقبال القبور ولو قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ في الأصل ـ كان خارجًا، وكان المسجد بعيدًا عنه، ثم بعد ذلك امتدت التَّوسِعة إلى أن أدخل قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - داخل المسجد، فَوُضِعَت حوله تلك الجدران التي أحاطته من جهات حتى لا يُسْتَقْبَل قبره - صلى الله عليه وسلم - إمعانًا في سد ذرائع الشرك.
ولا شك أن الأولى هو: إخراج قبره - صلى الله عليه وسلم - من المسجد، بحيث يُفْصَل بين القبر والمسجد على وجه التَّمَام، قاله شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما رحمة الله على الجميع؛ ولكن لأن في إخراج قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبر صاحبيه مفاسد عديدة وقد تَغْلِب المصلحة من إخراج هذه القبور بأن يرتد أناس على أدبارهم من الضلالة وأن يقمع أهل التوحيد من قبل الجهلة، إلى غير ذلك من المفاسد التي ذكرها جمع من أئمة الدعوة، ولذلك بقي قبره - صلى الله عليه وسلم - وقبر صاحبيه على الشاكلة الموجودة الآن.
قوله [ولولا ذلك أبرز قبره] فيه ضبطان، يحتمل أن الأول البناء للمجهول (أُبرز) أي: لأبرزه أَصحابه رضوان الله عليهم، ولكنهم لما خشوا أن يفتتن بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أخرج من غرفة عائشة ووضع