«إحصاء العلوم» . فالإحصاء يقتضي وجود موضوعه، وتنوعه، وكثرته وثرائه، لأن ما هو قليل ومحصور لا يتطلب عملية الإحصاء.
والفارابي لم يحص جميع الكتب التي كانت رائجة في عصره وإنما اكتفى بتعداد العلوم والتعريف بها تعريفا مقتضبا. والرجل الذي اضطلع بهذه المهمة الصعبة والرائدة والأكثر نفعا هو ابن النديم (ت 385 هـ) الذي عاصر الفارابي وألف كتابه الشهير المعروف ب «الفهرست» . وفي هذا الكتاب نجد تعدادا للعلوم وتعريفا بها كما هو الحال في كتاب الفارابي، ونجد على ذلك إحصاء للكتب المصنفة في كل علم من العلوم. ولا ندري إذا كان الفارابي اطلع على كتاب الفهرست لابن النديم وأفاد منه، لأنه لم يشر إليه من قريب أو بعيد.
وثمة سبب آخر حفز الفارابي على تأليف كتابه هو الفيلسوف اليوناني أرسطو الذي تأثر به شديد التأثر، وحاز على إعجابه، واقتفى أثره في معظم آرائه الفلسفية. لقد اهتم أرسطو بتصنيف العلوم فقسمها إلى نظرية وعملية، وقسم النظرية إلى ثلاثة هي الطبيعة والرياضة والإلهيات. وقسم العملية إلى ثلاثة علوم أيضا هي علم الأخلاق، وعلم السياسة المدنية، والفن.
والفرق بين أرسطو والفارابي هو أن الأول وضع أسسا لتصنيف العلوم لم يبن عليها الفارابي إحصاءه. لقد قال أرسطو إنّ الفرق بين النظري والعملي هو أن النظري يعلم فقط، أما العملي فيعلم ويعمل به. وقال إن الفرق بين علم الطبيعة والرياضة والعلم الإلهي يرجع إلى الموضوع، فموضوع العلم الطبيعي الجوهر المحسوس المتحرك،