وكذا في قوله تعالى: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين} [1]
يضرب الله الأمثال للكفار من الذباب والعنكبوت والكلب والحمار ... ، فقال الكفار إن الإله الحق لا يجوز أن ينزل من مستواه، إلى حد ضرب الأمثال بهذه الحيوانات والحشرات الحقيرة والتافهة، وقالوا لا يليق بهذه المحقرات أن ترد في كلام البلغاء فضلا عن كلام الله، فجعلوا ذلك سببا للطعن في صحة الدين. قال محمود ابن الشريف: رد الله على هؤلاء الكفار بأن الله من أجل إقناع الناس وبيان الحجة وإقامة الدليل، على صحة الدين وبطلان ما عليه الكفار، يضرب مثلا بالبعوضة وغيرها، وإن المؤمنين العالمين يفهمون مغزى الأمثال فيؤمنون بالله، أما الفاسقون فإنهم يصدون ويعزفون عن تدبر الأمثال فيبقون على كفرهم. [2]
ويعلق حبنكة الميداني على هذا المثل بقوله: إن هذه المخلوقات التي يحتقرها الناس آيات مدهشات على عظمة الخالق وحكمته، وقد ارتقت هذه المخلوقات في نظر العلوم الحديثة إلى مستوى الدراسات المستفيضة المضنية الجادة، وكتب فيها العلماء كتبا كثيرة، سجلوا فيها خصائص هذه المخلوقات وصفاتها وأنواع سلوكها، فلم يعد التمثيل بها لدى كبار علماء الكون أمرا مستنكرا ولا مستهجنا، بل مدعاة لتوجيه الاهتمام بشأنها ودراسة أنواعها بإمعان، وقد كان استنكار الذين كفروا للتمثيل بها ناشئا عن جهل وتجاهل. [3]
(1) - البقرة 26
(2) - ابن الشريف، محمود، الأمثال في القرآن الكريم، ص 11
(3) - حمزاوي, يزيد، المدلولات التربوية للأمثال القرآنية، ص 24