قال رسولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم: (الإيمانُ هُوَ مَا وَقَرَ في القلبِ، وصدَّقَه العملُ) رواه مسلمٌ
من هذه الكلمات القليقة والبليغة في معتاها نفهم، أنَّ إيمان الإنسان المسلم لا يرتبط فحسب بكلماتٍ يقولها وقناعاتٍ يعتقدها، ولكنَّه يتمُّ أيضًا من خلال العمل، أي انتهاج سلوكٍ إيجابيٍّ حسنٍ على أرض الواقع يُثبتُ به الإنسان إيمانه.
وكثيرًا ما تستدعي هذه الأوضاع إلى الذَّاكرة عبارة المصلح الإسلاميِّ الأشهر، الإمام محمد عبده، عندما زار أوروبا، وعاد فقال:"وجدتُ في أوروبا مسلمينَ بلا إسلامٍ، ووجدتُ في بلدي إسلامًا بلا مسلمين"
فلا يمكن"اختزال"الإسلام، في شئون العقيدة وظاهر العبادة، بينما الإسلام أكبر وأوسع من ذلك كثيرًا؛ حيث الإسلام عقيدةٌ وعبادةٌ ومعاملاتٌ.
وحتى ما يؤدِّيه المرء المسلم من عباداتٍ، لا تكون لمجرَّد الأداء فحسب، بل إنَّها يجب أنْ تُحقِّقَ العديد من التَّأثيرات العمليَّة على سلوك الإنسان المسلم، بل إنَّ هناك عباداتٌ مثل الصِّيام كان من بين الأسباب التي رأت الحكمة الإلهيَّة أنْ يتمَّ فَرضَها على الإنسان، هي تهذيب سلوك الإنسان المسلم.
وقد أكَّد القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة في أكثر من موضعٍ .. قال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) العنكبوت / 45
كما أنَّ لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حديثًا نبويًّا صحيحًا يقول فيه عن أهمِّيَّة أنْ يكون للصِّيام أثرٌ في تهذيب سلوك المسلم:"مَن لَّم يدعُ قَوْلَ الزُّورِ والعملَ بهِ فليس للهِ حاجةً أنْ يدعَ طعامَه وشرابَه"رواه البُخاريُّ والتِّرمذيُّ وأبو داود وابن ماجه
وقد حذَّر الإسلام من القول الذي لا يكون مشفوعًا بعملٍ يؤكِّده، ومن الدَّعوى التي تكونُ بلا فعلٍ، فقد ورد في كتاب"رياض الصالحين"بابًا كاملًا في تغليظ عقوبةِ من أمرَ بمعروفٍ أو نهي عن منكرٍ، وخالف قولُه فِعلَهُ.
وهناك في آي القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تدعم ذلك .. قال الله تعالى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) البقرة: 44، وقال تعالى أيضًا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) الصَّفِّ: 1 - 3، وقال تعالى إخبارًا عن نبِّيِه شُعيبٌ - عليه السَّلام: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) هود: 88
وفي السِّياق، لا يُعتَبَر قول الرَّسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - المُتقدِّم،"الإيمانُ هُوَ مَا وَقَرَ في القلبِ، وصدَّقَه العملُ"، نصًّا فريدًا من نوعه في هذا الإطار؛ حيث إنَّ القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الشَّريفة قد أكَّدا في غير موضعٍ على ضرورة أنْ يكونَ هناك فعلٌ تطبيقيٌّ يرافق الإيمان والمعتقد، ويطبِّق هذا الإيمان في واقع حال الإنسان.
ففي الآية رقم"77"من سورة"الحج"، يقول المولى عزَّ وجلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وفي هذه الآية الكريمة قَرَنَ الشَّارع الأعظم في مخاطبته لمن يحملون صفة الإيمان، بين اعتقادهم في الخالق الواحد الأحد عزَّ وجلَّ، وبين فعل الخير، كسبيلٍ للفلاح في الدُّنيا والآخرة.
وفي القرآن الكريم أيضًا، وفي الآية"199"من سورة"الأعراف"، يقول اللهُ عزَّ وجلَّ: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) وفي تفسيره لهذه الآية الكريمة، قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله تعالى هذا، قال: هذه أخلاقٌ أمرَ اللهُ بها نبيَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - ودلَّه عليها.
وعن أنسٍ بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أحسنُ النَّاسِ خُلُقًا
وعن صفيَّةٍ بنت حيي - رضي الله عنها - قالت:"ما رأيتُ أحسنَ خُلُقًا من رسول الله - صلَّى الله"