والله تبارك وتعالى أقسم- مرة- على تحقيق إنزال الكتاب، فقال تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ] الأنبياء: 10[.
فهذا «كلام مستأنف مسوق لتحقيق حقيقة القرآن العظيم، الذي ذكر في صدر السورة الكريم إعراض الناس عما يأتيهم من آياته واستهزاءهم به، وتسميتهم تارة سحرًا، وتارة أضغاث أحلام، وأخرى مفترى وشعرًا، ... قد صدر بالتوكيد القسمي لمزيد الاعتناء بمضمونه، وإيذانًا بكون المخاطبين في أقصى مراتب النكير، أي: والله لقد أنزلنا إليكم يا معشر قريش» {كِتَابًا} عظيم الشأن نير البرهان» [1] .
وأخرى يقسم-جل شأنه- بكل ما في الوجود من صفات حميدة وآيات عجيبة على صدق القرآن وعظمته، وأنه أعلى من تسميتهم الكاذبة، وأسمى من افتراءاتهم الباطلة. فيقول تبارك وتعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ] الحاقة: 38 - 43 [.
«وقد جمع الله في هذا القسم كل ما الشأن أن يقسم به من الأمور العظيمة من صفات الله تعالى ومن مخلوقاته الدالة على عظيم قدرته إذ يجمع ذلك كله الصلتان {أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} ، فمما يبصرون: الأرض والجبال والبحار والنفوس البشرية والسماوات والكواكب، وما لا يبصرون: الأرواح والملائكة وأمور الآخرة» [2] .
(1) تفسير أبي السعود، (6/ 58) .
(2) التحرير والتنوير، (29/ 130) .