كان أعظَمَ درجةً عند الله ممن اتَّصف بالسِّقاية والعمارة. وتلك الصِّفات الأربعة هي هذه: فأوَّلها: الإيمان، وثانيها: الهجرة، وثالثها: الجهاد في سبيل الله بالمال، ورابعها: الجهاد بالنفس.
وإنَّما قلنا: إنَّ المَوصوفين بهذه الصِّفات الأربعة في غاية الجلالة والرِّفعة؛ لأنَّ الإنسان ليس له إلا مجموع أمور ثلاثة: الروح، والبدن، والمال. أمَّا الرُّوح: فلمَّا زال عنه الكفر وحصل فيه الإيمان، فقد وصل إلى مراتب السَّعادات اللائقة بها. وأمَّا البدن والمال: فبسبب الهجرة وقعا في النُّقصان، وبسبب الاشتغال بالجهاد صارا مُعَرَّضَين للهلاك والبطلان. ولا شك أن النفس والمال محبوب الإنسان، والإنسان لا يعرض عن محبوبه إلا للفوز بمحبوب أكمل من الأول، فلولا أنَّ طلب الرضوان أتم عندهم من النَّفس والمال، وإلاَّ لما رجَّحوا جانب الآخرة على جانب النفس والمال، ولما رضوا بإهدار النفس والمال لطلب مرضاة الله تعالى.
فثبت أنَّ عند حصول الصِّفات الأربعة صار الإنسان واصلًا إلى آخر درجات البشرية، وأوَّل مراتب درجات الملائكة، وأيُّ مناسبة بين هذه الدرجة وبين الإقدام على السِّقاية والعمارة لمجرد الاقتداء بالآباء والأسلاف ولطلب الرِّياسة والسمعة؟
واعلم أنَّه تعالى لم يقل أعظم درجة من المشتغلين بالسِّقاية والعمارة؛ لأنه لو عيَّن ذكرهم لأوهم أنَّ فضيلتهم إنَّما حصلت بالنسبة إليهم، ولمَّا ترك ذكر المرجوح، دل ذلك على أنهم أفضل من كل من سواهم على الإطلاق؛ لأنه لا يُعقل حصول سعادة وفضيلة للإنسان أعلى وأكمل من هذه