العلاقات بين آحاده على دعائم من المودة والرحمة والعدالة، لم يسبق به في شريعة من الشرائع الأرضية، وإذا وازنا بين ما جاء في القرآن، وبين ما جاءت به قوانين اليونان والرومان، وما قام به الإصلاحيون للقوانين والنظم، - مع أنه لا يقارن حق بباطل- نجد أن هذه الموازنة فيها خروج عن التقدير المنطقي للأمور [1] .
وإذا تأملنا أي قاعدة من القواعد التشريعية، وأي باب من أبواب الفقه القرآني، نجد مصداقية أسبقية القرآن العظيم، وسمو تشريعاته، ذلك لأن الله تعالى يقول: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء:105] . أي أن القرآن هو حقًا من عند الله، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82] .
ومعنى قوله: {وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} كما هو، أي كل ما في القرآن من حقائق، وتشريعات، وأخبار، حق لا يتطرق إليه باطل، وهو في أعلى رتب الحق لا يجارى في قضاياه، ولا يدانيه كتاب آخر في أحكامه: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:41 - 42] [2] .
«ولهذا السبب فالقرآن له أعلى حظوة لدى المسلمين، وهو ليس مجرد كتاب صلوات، أو أدعية نبوية، أو غذاء للروح، أو تسابيح روحانية فحسب، بل إنه أيضًا القانون السياسي، وكنز العلوم، ومرآة الأجيال، إنه سلوى الحاضر، وأمل المستقبل» [3] .
وسيكون الحديث عن أبرز مظاهر العظمة في التشريع القرآني من خلال المطالب الآتية:
(1) انظر: المعجزة الكبرى، محمد أبو زهرة، (ص 385) .
(2) انظر: المصدر السابق، (ص 296) .
(3) دراسات إسلامية في العلاقات الاجتماعية والدولية، د. محمد عبد الله دراز، (ص 31) .