أما التأسي باليهود، فلأن من أعظم صفاتهم الذميمة الحرص الشديد على الحياة، وهذا ما أخبر به العليم الخبير سبحانه عنهم في كتابه الكريم بقوله جل شأنه: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} [البقرة: 96] .
وأما الاقتداء بالمنافقين، فلأن من أعظم صفاتهم إيثار الحياة على الموت في سبيل الله تعالى، وليس أدل على ذلك من قوله سبحانه في شأنهم: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 81] .
وأما المخالفة لهدي النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ولصحابته الغر الميامين رضي الله تعالى عنهم ورفع درجاتهم في عليين، فلأن ديدنهم المعهود عنهم طيلة حياتهم إنما هو تقديم الأرواح فداء لدينهم عقيدتهم، حتى رضي الله تعالى عنهم ورضوا عنه.
وإذا أراد المسلم الانتصار على تلك الفتنة، فليكن موقفه موقف التأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الصفة الإيمانية العظيمة، امتثالا لقول الحق سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .