فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 506

المذنبين. وآيات الوعيد لفظها العموم، والمراد بها الخصوص في الكفرة , وفيمن سبق علم الله تعالى بتعذيبه من المؤمنين.

وهذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [1] ردَّت على الطائفتين: المُرْجِئَة والمُعْتَزِلَة؛ وذلك أن قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} فصل مجمع عليه. وقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} فيه ردٌّ لقول المُعْتَزِلَة بتخليد المذنب , ولو تم الكلام هاهنا عند قوله: {مَا دُونَ ذَلِكَ} لكان فيه حجة للمُرْجِئَة , فجاء قوله: {لِمَنْ يَشَاءُ} ردًّا عليهم مبينًا أن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم , بخلاف ما زعموا من أنه غفران لكل مؤمن. وقد تأولت المُعْتَزِلَة الآية على مذهبها , فقالت: قوله: {لِمَنْ يَشَاءُ} هو التائب , وهذا تحكُّم على الآية يردُّه النظر. وتأولت المُرْجِئَة الآية على مذهبها , فقالت: قوله: {لِمَنْ يَشَاءُ} أن يؤمن وهذا أيضًا تأول بعيد" [2] ."

الملاحظ في هذه الأمثلة السابقة أن ابن الفرس ذكر أقوال بعض الفرق الضالة والمؤوِّلة حول ما ذكر من الآيات , ثم أبطل أقوالهم ودحض حججهم وردَّ عليهم بنص القرآن الكريم والسنة النبوية , وانتصر لمذهب أهل السنة والجماعة وساق ما يؤيد ذلك [3] .

ومن خلال تتبعي لكتابه لم أجد له إلا تفسيرًا واحدًا مال فيه لمذهب الأشَاعِرَة [4] , وقد يكون نقله عن غيره , وذلك عند تفسيره لقوله تعالى:

(1) سورة النساء , آية: 48.

(2) ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (2/ 214) .

(3) لمزيد من الأمثلة ينظر: أحكام القرآن لابن الفرس (1/ 43) , (1/ 44) , (1/ 53) , (1/ 82) , (1/ 115) , (1/ 120) , (3/ 16) .

(4) الأشَاعِرَة: هم أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري , وقد سلكوا طريقًا بين الإثبات الذي هو مذهب السلف , وبين النفي الذي هو مذهب المُعْتَزِلَة , فأثبتوا سبع صفات سمَّوها صفات المعاني ويدعون ثبوتها بالعقل وهي: الحياة , والعلم , والقدرة , والإرادة , والسمع , والبصر , والكلام , ووافقوا المُعْتَزِلَة في نفي ماعدا هذه الصفات الخبرية التي صح بها الخبر. وقد رجع أبو الحسن عن مذهبه وسلك مذهب السلف في إثبات الصفات.

ينظر: الملل والنحل (1/ 94) , والمفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات , لمحمد بن عبد الرحمن المغراوي , مؤسسة الرسالة - بيروت , الطبعة الأولى 1420 هـ , (1/ 305) , والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (1/ 83) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت