أن مقتضى مذهب المتكلِّمين أنه في المشيئة. ومذنب مات قبل توبته , فهذا اختلفت فيه الفرق.
فقالت المُرْجِئَة: هو في الجنة بإيمانه , ولا تضره سيِّئاته , وبنوا ذلك على أن جعلوا آيات الوعيد كلها مخصصة في الكفار , وآيات الوعد عامة في المؤمنين تقيّهم وعاصيهم.
وقالت المُعْتَزِلَة: إن كان صاحب كبيرة فهو في النار ولا بدّ.
وقالت الخَوَارِج [1] : إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو مخلد في النار ولا إيمان
له؛ لأنهم يرون كل الذنوب كبائر , وبنوا ذلك على أن جعلوا آيات الوعد كلها مخصصة في المؤمن الذي لم يذنب أو المؤمن التائب , وجعلوا آيات الوعيد عامة في العصاة كفارًا كانوا أو مسلمين. وقال أهل السنة: آيات الوعد ظاهرة العموم، وآيات الوعيد ظاهرة العموم , ولا يمكن الجمع بينهما مع حملهما على عمومهما؛ كقوله تعالى: {لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [2] , وقوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [3] .
فلا بدَّ أن نقول: إن آيات الوعد لفظها العموم والمراد بها الخصوص في المؤمن , وفي التائب، وفيمن سبق علم الله تعالى بالعفو عنه من
(1) الخَوَارِج: كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيًا , سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمة في كل زمان. وكان بداية ظهورهم في عهد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حين اعترضوا على قبول التحكيم بينه وبين معاوية - رضي الله عنهما - , وقالوا: لا حكم إلا لله وفارقوا الجماعة , ومن ثم أصبحت الخَوَارِج تحكم على كل مرتكب للكبيرة بأنه كافر يحل دمه وماله , وقالوا: بعدم حجية خبر الآحاد. ومع مرور الزمن كثر إتباعهم لأهوائهم وتفرقت بهم السبل حتى تكلموا في دقائق المسائل الكلامية.
ينظر: الفَرْقُ بين الفِرَق ص 78 , والملل والنحل ص 114 , والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (2/ 1053) .
(2) سورة الليل , آية: 15 - 16.
(3) سورة الجن , آية: 23.