مجردّ مدّعي بصيرة!! ...
ولنلاحظ أنه لم تكن هناك حاجة لإبراز العنصر الخامس من عناصر هذه الرواية المشوقة (الأمر بالنظر في الآيات التي أبقاها الله في بيوت الظالمين) وذلك لسبب غاية في البساطة! إذ لم تعد تلك الآيات والعلامات قادرة على الثبات والبقاء في وجه عوامل الزمن، وعوامل التعرية الجيولوجية، وكل العوامل الأخرى التي يكسبها الإنسان بيديه! ... فحيث يتطاول الزمن فتنهد له الجبال هدًا، وحيث تنكشف الأرض كل يوم عن وجه جديد، وحيث يسلب الإنسان أخاه الإنسان قدرته على التحرك بحرية فتتاح له فرصة النظر في الآيات .. ساعتها يكون الإنسان قد سُلب، عمليًا، قدرته على النظر في الآيات المنتشرة في أرجاء الأرض! .. مما يترتب عليه سؤال في غاية الأهمية:
هل تسقط، والحالة هذه، حجة الله على الناس، وهو الحكم، العدل، الذي يقول في محكم التنزيل: {وما كُنا مُعذبين حتى نبعثَ رسولا} ؟!! ...
من هنا فإن تأملا للنموذج الأخير الذي عرضناه (مدين، وعاد، وثمود) يكاد يكشف عن قرب طرح المفاجأة التي تكاد تلجم الأفواه، بل تكاد تذهب بالعقول؟!! لكن وقبل ذلك كله تأتي الآيات بحلقة أخيرة مختصرة (تجربة نبي الله موسى عليه السلام مع كل من قارون وفرعون وهامان) ، لتأتي الآيات بعد ذلك بإجمال لأهم وأبرز ما تم عرضه في الحلقات السابقة؛ كلون من ألوان العرض الأخير قبل طرح المفاجأة:
{وقارونَ وفرعونَ وهامان، ولقد جاءهم موسى بالبيِّناتِ فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين} ..
ونلاحظ هنا أن الآيات الكريمة لم تجد حاجةً لاستكمال العناصر الخمسة؛ بل اكتفت بإيراد جزءٍ منها، ذلك أنه لا فائدة من طرح عناصر لن يكون لها فائدة عملية في حياة الناس! فالآيات قد ذهبت، والشواهد قد اندثرت، والدلائل كلها انقرضت، فماذا يكون حال الناس؟