وبعد كل هذا الاستطراد في رسم ملامح قصة إبراهيم ولوط مع قومهما، يكون القرآن الكريم قد أكمل ثلاث حلقات من السلسلة الرسالية (نوح، وإبراهيم، ولوط) ... لينتقل النص، بعد ذلك، إلى حلقة جديدة هي قصة أهل مدين ونبيهم شعيب .. وفي هذا يقول عز من قائل: {وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعيبًا ... } (الآية:36) ... {فكذّبوه فأخذتهمُ الرجفةُ فأصبحوا في دارهم جاثمين} (الآية:37) ...
ولدهشتنا فإن قصة شعيب مع قومه تنتهي بسرعة، حتى دون أن تكتمل عناصرها الخمسة، بل يُعطف عليها (وبكلمات معدودة) قصة عاد وثمود، والتي تأتي، هي كذلك، في منتهى الاختصار، لنفاجأ بالعودة إلى عنصر رئيس من عناصر كل رواية ألا وهو النهاية الحتمية، تلك النهاية التي تنطبق هنا على الحلقتين والقصتين معا:
{وعادًا وثمودًا وقد تبين لكم من مساكنهم ... } (38) ..
ولعل الجمع بين الحلقتين في رواية واحدة قد جاء نتيجة لاشتراكهما، هذه المرة، في نوع العقاب الذي أوقعه الله بهما!! ..
ومشهد غريب هو ذلك الذي تنتهي به الآية (38) !!
{وعادًا وثمودًا وقد تبين لكم من مساكنهم وزَيَنَ لهم الشيطانُ أعمالَهم فصدَّهم عن السبيل وكانوا مستبصرين} (38)
فبشكل خاطف وجدنا الآيات تنعطف انعطافا حادًا لتتحدث عن الشيطان وزينته التي يوقع الناس من خلالها في شرّ أعمالهم، دون أن يكون السياق العام للآيات يوحي أو ينبئ بهذه الانعطافة المفاجئة، ولتنتهي الآية بشكل أكثر غرابة {فصدّهم عن السبيلِ وكانوا مُستبصرين} (38) ..
وكأن الآيات تسخر من أولئك الذين وقع العقاب عليهم، حيث كانوا منقادين إلى أقدارهم بعيون مفتوحة، دون أن يكونوا قادرين على رؤية الأخطار التي كانت محدقة بهم .. إذ لم يكونوا مبصرين! .. بل كانوا مستبصرين، أي