فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 259

فمما يُروى أن أعرابيًا قد حضر إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليسأله عن بعض ألفاظ القرآن الكريم التي لم تكن معروفةً للعرب في ذلك الحين، من أمثال الكلمات: يهزأ، وقسورة، وكُبَارا، وعُجاب .. فما كان من النبيّ (صلى الله عليه وسلم) إلا أن استبقاه، وبينما هو على تلك الحال حضر رجلٌ آخر ليسأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن أمر ما، فلما تباطأ عنه النبيّ (صلى الله عليه وسلم) وجّهَ الرجلُ حديثه للنبي قائلا له:"أتهزأ بي يا ابن قسورة العرب، وأنا شيخٌ كُبّارا، إن هذا لشيءٌ عُجاب". فكان ذلك القول بمثابة ردّ غير مباشر على تساؤلات الأعرابي، فالنبيّ (صلى الله عليه وسلم) لم يتولَّ الرد عليها بنفسه، ولعل طريقة الرد تلك تُعد من أبدع ما جاء به هذا الدين العظيم، فتلك التساؤلات التي حملها الأعرابي كانت آتيةً من زمنٍ آخر غير ذلك الزمن، وتلزمها معرفةٌ أخرى غير المعرفة الراهنة آنذاك، ومع ذلك فإنّ النبيّ (صلى الله عليه وسلم) لم ينهر الأعرابي قائلًا له:"لقد أخطأت يا أعرابي، إنها عربيّة مائة بالمائة ..."ولم تكن إجابته (صلى الله عليه وسلم) من قبيل:"إذهب أيها الأعرابي، إن هذا السؤال أكبر من أن تفهم الإجابة عنه"! ..

وكما كان السؤال عن تلك الألفاظ الغامضة مشروعًا فقد ظل ذا إلحاح، وبقي يراودُ أهلَه على مَرّ السنين، مما اضطر البعض، في محاولةٍ منه لتفسير وجودها، إلى القول: بأن:"الأمر كله لا يعدو أن يكون تشابهًا بين العربيّة وغيرها"!!.

وعُلِّلَ الأمر تارةً أخرى بأن:"اللغات الأخرى هي التي أخذت هذه الكلمات عن العربيّة". أما من قال بأن تلك الكلمات عربيّة، كابن فارس، فلم يكن له من الدليل إلا القول: (فأما قولنا إنه ليس في كتاب الله تعالى شيءٌ بغير لغة العرب فلقوله تعالى: {إنا جعلناه قرآنًا عربيًّا} ..

(ويواصل ابن فارس حديثه) وادّعى ناسٌ أن في القرآن ما ليس بلغةِ العرب؛ حتى ذكروا لغةَ الرومِ والقبطِ والنبط. فحدثني أبو الحسين محمد بن هارون قال: أخبرنا عليٌ بن عبد العزيز؛ عن عليّ بن المغيرة الأثرم قال: قال أبو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت