فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 259

والفصاحة والبلاغة؛ لم يصله أحفادُهم في عصورِ الأدبِ في عهد الأمويين والعباسيين والأندلسيين والمماليك) [1] .

والعلم، بتاريخ العرب وأدب لغتهم (قبل البعثة النبوية الشريفة) يزيدنا معرفةً بحقيقة ما كانت عليه تلك اللغة من رفعةٍ وسموّ، إذ وصلت العربيّة إلى قمة التهذيب في لسانِها، وجمعت خيرَ لهجاتِها من أسواقِ الأدبِ والمفاخرة بالشعر والنثر، حتى انتهى مصبُ جداول الفصاحة، وإدارة الكلام بالبيان؛ في لغة [2] قريش.

ولعل كلّ تلك المسيرة إنما كانت تهيئةً للنبأ العظيم الذي يوشك أن ترتجّ له أنحاءُ الجزيرة العربيّة، ومُرتكزًا لإظهار إعجازه وارتفاعه (وكل من يبحثُ في تاريخ العرب وآدابهم؛ وينفذُ إلى ذلك من حيث تنفذُ الفطنة، وتتأتى حكمةُ الأشياء؛ فإنه يرى كلّ ما سبق على القرآن من أمرِ الكلامِ العربيّ وتاريخه إنما كان توطيدًا له، وتهيئةً لظهوره، وتناهيًا إليه، ودُربةً لإصلاحهم به، وليس في الأرض أمةٌ كانت تربيتها لغويةً غير أهل هذه الجزيرة ... ثم كان لهم من تهذيب اللغة، واجتماعهم على نمط من القرشية يرونه مثالًا لكمال الفطرة، وأخْذِهم في هذا السمْتِ ما جعل الكلمة نافذةً في أكثرِهم؛ لا يصدّها اختلافٌ من اللسان، ولا يعترضُها تناكرٌ في اللغة، فقامت فيهم بذلك دولةُ الكلام، ولكنها بقيت بلا ملك حتى جاءهم القرآن) [3] .

لكن هل يعني ذلك كمالًا مطلقًا للعربيّة في ذلك الوقت؟ .. وهل عنى تطابقًا كاملًا بين لغة العرب (أو لغاتهم بتعبير أصح) وبين لغة القرآن الكريم التي تنزّل بها فيما بعد؟!! ..

(1) البيان في إعجاز القرآن، مرجع سابق، ص 71.

(2) يجدر أن يكون واضحًا أن كثيرًا من المواضع التي وردت فيها كلمة"لغة"في هذه الدراسة إنما قصدنا من ورائها معنى"اللهجة"، وليس ما نتداوله اليوم من دلالتها على لغة كاملة مستقلة كاللغة العربية، الانجليزية، والفرنسية. الخ.

(3) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مرجع سابق، ط 3، ص 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت