بعد تناولنا لمفهوم"العروبة"في القرآن الكريم، حسب أقوال بعض المفسرين، يمكننا الآن أن نحدد لأنفسنا قاعدةً آمنةً نرتكز عليها خلال رحلتنا في التعامل مع الآيات الكريمة السابقة؛ وتسمح لنا، في الوقت نفسه، بمزيدٍ من الاستقراء لمعاني"العروبة"في القرآن الكريم. ولنفترض بدايةً أن هذه القاعدة يمكن أن تنص على ما يلي: (إن البحث عن معانٍ إضافية لألفاظ القرآن الكريم يجب ألا يكون هدفه، بأي حال من الأحوال، نفيَّ المعاني الأخرى الواردة في التفاسير المختلفة، ولا نفيَّ المعاني القريبة التي يذهب إليها الذهنُ ابتداءً، بل إن هدفه هو استدعاء المزيد من المعاني البعيدة، التي نظن أن اللفظ القرآني يمكن أن يحتملها ويتسع لها) وهو ما قصدناه لدى حديثنا عن"ظاهرة النسبية في القرآن الكريم"..
وإذا ما استقر بنا الأمرُ على هذا المبدأ؛ جازَ لنا حينها أن نسألَ أنفسَنا: وهل للعروبة في القرآن معانٍ أخرى يمكن أن تذهب إلى ما هو أبعد من معانيها القريبة التي تعرّضنا لها؟! ...
لنحاول الإجابة على هذا التساؤل من خلال استعراضٍ بسيطٍ لما كان يعنيه كلٌ من مصطلحيّْ"العروبة"و"العربيّة"على أرض الواقع قبل تنزّل القرآن الكريم .. حيث كان العربُ قبل تنزّله قد بلغوا مبلغًا من الفصاحةِ والبلاغةِ لم يُعرف في تاريخهم من قبل؛ فكانوا (قد أطالوا الشِّعْرَ وافتنّوا فيه، وتوافى عليه من شعرائِهِم أفرادٌ معدودون، كان كلُّ واحدٍ منهم كأنه عصرٌ من تاريخه، بما زاد في محاسنهِ وابتدعَ من أغراضِه ومعانيه، وما نفضَ عليه من الصبغِ والرونق) [1] .
ولم تكن حالةُ اللغة العربيّة في ذلك الوقت حالةً عاديةً؛ بل تجاوزت ذلك لتكون في أفضلِ حالاتِها حتى في العصور التي تلت ذلك، والتي بلغ مجدُ العرب فيها شأوًا بعيدًا (ولما بُعث فيهم محمد(صلى الله عليه وسلم) وخاطبهم بالقرآن كانوا في مستوى بيانيٍ رفيع؛ بل كانوا في أرفع مستوى في البيان
(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مرجع سابق، ط 3، ص 205.