وكان من أكبر العوامل في هذا النشاط الاقتصادي الكبير النقد الإمبراطوري الذي كان عمله مقبولة في جميع أنحاء العالم لثباته وسلامته. وكان"قسطنطين"قد سك نقدًا جديدًا يحل محل الأوريوس"Aureus الذي سكه"قيصر"وكانت هذه القطعة النقدية الجديدة المعروفة باسم"صوليدوس"Solidus أو بيزنت Besant تزن 4.55 غرامات أو جزءًا من ستة أجزاء من الأوقية الإنجليزية من الذهب وتعادل قيمته 583 من الدولارات في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1946 وإن تدهور"الصولديوس"في قيمته المعدنية والاقتصادية حتى صار هو"الصولدي"ليدل أوضح الدلالة على ارتفاع الأثمان خلال عصور التاريخ المختلفة وعلى انحطاط قيمة النقد ويوحي بأن الادخار فضيلة تتطلب ممارستها كثيرًا من الدقة والحصافة."
ونعتقد أن ما نقلناه عن ديورانت من صور لمعالم تطور النقد ومراحله يوضح لنا أن ما نواجه اليوم ليس بدعًا من عصرنا ولا من طورنا الحضاري، وإنما هو تكرار لما عرفته البشرية منذ أخذت تتعامل بالنقد على اختلاف أنواعه وإن اختلفت أشكاله اختلافًا شكليًّا، واختلفت كذلك بعض ظواهره ومظاهره إذ أن استكناه جوهر العوامل المؤثرة في ارتفاع النقد وانخفاضه والمؤدية إلى تغييره أحيانًا يجلو بما لا مجال معه للشك أنها هي هي في تلك العصور، وفي هذا العصر بصرف النظر عن الأشكال التي تتخذها والظواهر والمظاهر التي تصاحبها وتلابسها بل وإن العواقب والمعقبات هي هي لا تكاد تختلف في جوهرها من عصر إلى عصر وإن تراءى بعض التغاير بينها في ظواهر ومظاهر وأشكال.
وهذه الحقيقة تفضي بنا إلى ضرورة اعتبارها في اجتلاء الأحكام الشرعية واستنباطها، وإن غابت عن بعض الفقهاء والمجتهدين في العصور السالفة ممن تراءى لهم أن ما يشهدونه من أحداث وأطوار بدع من عصورهم أو ظروفهم الحضارية على أن هذا لا يعني إلغاء الظرفية في اجتلاء الأحكام الشرعية للأوضاع والأحوال الناتجة عن تغيير قيمة العملة في هذا العصر، فلا مجال لنكران تأثير الظرفية في تحديدها واستنباطها، لكن قبل أن نصير إلى هذه النقطة يجب أن نقف أولًا على نشأة النقد عند العرب وتطوره. ففي بيئتهم نزل الإسلام ولظروفهم أثرها العميق في صياغة نصوصه وفي المفاهيم والاجتهادات المنبثقة عنها، وذلك ما سنحاول تبيانه في الفصل الآتي: