أما الثاني فهو أن ربا العباس الذي نسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وإلى بني هاشم عامة كانت نتيجة إقراض ولم يكن نتيجة مبايعة، وآية ذلك ما قاله جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 7/ 440، 441) :
وكان العباس بن عبد المطلب من أثرياء قريش كانت له ثروة واسعة من نقود ومن ذهب وفضة وقد استغل ماله بالتجارة وإقراضه بالربا قيل عنه: إنه كان ذا مال كثير متفرق في قومه كان يقرضهم ويسلفهم ويشاركهم في تجارتهم.
ثم قال: وكانت أم العباس غنية على ما يظهر، ذكر أنه ضاع وهو صغير نذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته فكست البيت الحرير، فهي أول من كساه كذلك، وكان له مال في الطائف، فإذا كان الموسم جيء إليه بالزبيب ينتبذه للحجاج، فقد كان المتولي لأمر السقاية بمكة، وذكر أنه كان يملك (مكوكًا) (1) مصوغًا من فضة مموهًا بالذهب يشرب به.
فالعباس إذن كان أشهر بالإقراض منه بغيره من عمليات الاستثمار وتاريخ أهل مكة التجاري لا يسجل للعباس تنقلات كثيرة على حين يسجل له تاريخ أصحاب المال من أهل مكة أنماطًا من الحياة المترفة التي لا تتأتى إلا مع الاستقرار.
ولا سبيل إلى الاشتباه بأن العباس كان يقرض أموالًا بدون فائدة فإذا عجز المقترض عن الأداء أجل له وزاد؛ لأن عملية الاقراض هي من الأسس الرئيسية لديه لاستثمار أمواله بل لعلها كانت أنشط في تصرفاته من التجارة التي كان يسهم فيها بالاشتراك في القوافل ببضائعه وأمواله وليس بنفسه في أغلب الأحوال كذلك كان يفعل غيره من أغنياء مكة مثل عبد الله بن جدعان.
بل إن أصل مال العباس - على ما يظهر- ليست تجارة، وإنما هو مال واسع كان لوالدته، فهو إذن قد نشأ في بيت دعة ورفاء، ولم يكن بحاجة إلى أن يعنت نفسه بالأسفار لتنمية ثروته، ومثل هذا النوع من الرجال يكون أميل إلى معاملات القرض التي هي أقل خطرًا باعتبار اختيار المقترضين منه إلى الأعمال التجارية، التي كثيرًا ما تكون عرضة للضياع، ليس فحسب لما يعتريها من الخسارة ولكن أيضًا لما يعترضها من سطو الصعاليك وقطاع الطرق.
(1) المكوك اسم لمكيال ويختلف باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد.
وأكبر الظن - والله ورسوله أعلم بأسرار التشريع - أن هذا أحد السببين اللذين من أجلهما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ربا العباس مع رأس ماله على حين وضع ربا غيره بإلغاء الفوائد مع الإبقاء على رؤوس الأموال، أما السبب الثاني فهو أن العباس كان مسلمًا يسر