فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 318

فالجواب عنه - بعد تقرير قاعدة أن الإسلام يوافق مصالح الآخذين به في كل زمان ومكان - من وجهين يوجه كل واحد منهما إلى فريق من المسلمين.

أما الأول فيوجه إلى فريق المقلدين وهم أكثر المسلمين في هذا العصر فيقال لهم: إن في مذاهبكم التي تقلدونها مخرجًا من هذه الضرورة التي تدعونها وذلك بالحيلة التي أجازها الإمام الشافعي الذي ينتمي إلى مذهبه أكثر أهل هذا القطر والإمام أبو حنيفة الذي يتحاكمون على مذهبه كافة، ومثلهم في ذلك مثل أهل المملكة العثمانية التي أنشأت فيها مصاريف (بنوك) للزراعة بأمر السلطان وهي تقرض بالربا المعتدل مع إجراء حيلة التي يسمونها المبايعة الشرعية.

وأما الثاني فيوجه إلى أهل البصيرة في الدين الذي يتبعون الدليل ويتحرون مقاصد الشرع، فلا يبيحون لأنفسهم الخروج عنها بحيلة ولا تأويل فيقال لهم: إن الإسلام كله مبني على قاعدة اليسر ودفع الحرج والعسر، الثابتة بنص قوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [الآية 185 من سورة البقرة] ، وقوله {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [الآية 6 من سورة المائدة] ، وإن المحرمات قسمان: الأول: ما هو محرم لذاته لما فيه من الضرر وهو لا يباح إلا لضرورة ومنه ربا النسيئة المتفق على تحريمه وهو مما لا تظهر الضرورة إلى أكله ماله أضعافًا مضاعفة كما تظهر في أكل الميتة وشرب الخمر أحيانًا، والثاني ما هو محرم لغيره كربا الفضل المحرم لئلا يكون ذريعة وسببًا لربا النسيئة وهو يباح للضرورة بل وللمصلحة كما قال الإمام ابن القيم وأورد له الأمثلة من الشرع فقسم الربا إلى جلي وخفي (وقد أورد ذكرنا عبارته آنفًا)

فأما الأفراد من أهل البصيرة فيعرف كل من نفسه هل هو مضطر أو محتاج إلى أكل الربا وإيكاله غيره، فلا كلام لنا في الأفراد وإنما المشكل تحديد ضرورة الأمة أو حاجاتها فهو الذي فيه التنازع.

وعندي - الكلام لرشيد رضا - أنه ليس الفرد من الأفراد أن يستقل بذلك

وإنما يرد مثل هذا الأمر إلى أولي الأمر من الأمة إلى أصحاب الرأي والشأن فيها والعلم بمصالحها عملًا بقوله تعالى في مثله من الأمور العامة: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [الآية 83 من سورة النساء] ، فالرأي عندي أن يجتمع أولو الأمر من مسلمي هذه البلاد وهم كبار العلماء المدرسين والقضاة ورجال الشورى والمهندسين والأطباء وكبار المزارعين والتجار ويتشاوروا بينهم في المسألة ثم يكون العمل بما يقررون أنه قد مست إليه الضرورة أو ألجأت إليه حاجة الأمة.

قلت: وعلى هذا النهج من التفكير وضع محمد رشيد رضا رسالته (الربا والمعاملات في الإسلام)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت