والأولى أن يحمل كلام أحمد في الجواز على الخصوص فيما ظهر غشه واصطلح عليه، فإن المعاملة به جائزة؛ إذ ليس فيه أكثر من اشتماله على جنسين لا غرر فيهما، فلا يمنع من بيعهما كما لو كان متميزين؛ ولأن هذا االمستفيض في"الأعصار"- لعل صوابه في الأمصار بميم بدل العين - جار بينهم من غير نكير وفي تحريمه مشقة وضرر، وليس شراؤه بها غشًّا للمسلمين ولا غررًا لهم، والمقصود منها ظاهر مرئي معلوم بخلاف تراب الصاغة.
(1) الحديث بهذا اللفظ أخرجه مسلم (الصحيح 1/ 99، 1001) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن القارئ، حدثنا أبو الأحوص محمد بن حيان، حدثنا ابن أبي حازم، كلاهما عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا) .
ورواية المنع محمولة على ما يخفى غشه ويقع اللبس به، فإن ذلك يفضي إلى التغرير بالمسلمين، وقد أشار أحمد إلى هذا في رجل اجتمعت عنده دراهم زيوف ما يصنع بها؟ قال: يسبكها، قيل له: فيبيعها بدنانير؟ قال: لا قيل: يبيعها بفلوس؟ قال: لا قيل: فبسلعة؟ قال: لا، إني أخاف أن يغر به مسلمًا، قيل لأبي عبد الله: إني أخاف أن يغر بها مسلمًا، وقال: ما ينبغي له لأنه يغر به مسلمًا، ولا أقول: إنه حرام على تأويل وذلك إنما كرهته لأنه يغر بها مسلمًا فقد صرح بأنه إنما كرهه لما فيه من التغرير بالمسلمين فإن مشتريها خلطها بدراهم جيدة واشترى بها ممن لا يعرف حالها ولو كانت مما اصطلح على إنفاقه لم يكن نفاية.
فإن قيل: فقد روي عن عمر، أنه قال: من زافت عليه دراهمه، فليخرج بها إلى البقيع فليشتر بها سحق الثياب (1) ، وهذا دليل على جواز إنفاق المغشوشة التي لم يصطلح عليها قلنا: قد قال أحمد معنى زافت عليه دراهمه - أي نفيت - ليس أنها زيوف فيتعين حمله على هذا جمعًا بين الروايتين ويحتمل أنه أراد ما ظهر غشه وبان زيفه بحيث لا يخفى على أحد، لا يحصل بها تغير.
وإن تعذر تأويلها تعارضت الروايتان عنه ويرجع إلى ما ذكرنا من المعنى.
(1) قال عبد الرازق (المصنف: 8/ 225، ح 14983) : عن طريق ابن أبي ليلى ... أيما رجل زافت عليه ورقة فلا يخرج يحالف الناس عليها أنها طيوب ولكن ليقل: من يبعني بهذا الزيوف سحق ثوب. ورواه ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف (7/ 216، ح 2945) : بمثل سند عبد الرازق ولفظه عنده: