2 -تعريف الحرف عند القدماء:
إذا كان الحرف عند علماء العربية القدماء ثالث ثلاثة، فما حدُّه وتعريفه؟ أقول سأعرض هنا عن ذكر حدود الأنواع الثلاثة، إذ كفانا مؤونة الحديث والاستقصاء والمناقشة فاضل الساقي في كتابه القيِّم [1] ، ولعل ما يناسب المقام أن أقول: إنَّ (( غالبية أقوال النحاة تدور في فلك واحد تقريبًا هو أن الحرف كلمةٌ تدلُّ على معنى في غيرها، وإنًَ دورها الوظيفي لا يتعدى ذلك. ) ) [2] ، وسنذكر نماذج من أقوالهم استشهادا لا استيعابًا:
· قال سيبويه (ت 180 هـ) : (( فالكلم: اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ جاءَ لمعنىً ليسَ باسمٍ ولا فعلٍ، فالاسمُ: رجلٌ وفرسٌ وحائطٌ، وأما الفعلُ فأمثلةٌ أُخذت من لفظ أحداثِ الأسماءِ، وبنيتْ لما مضى ولما يكون ولم يقع وما هو كائنٌ لم ينقطعْ، ... ، وأما ما جاءَ لمعنىً وليسَ باسمٍ ولا فعلٍ فنحوُ: ثمَّ، وسوفَ، و واو القسم، ولام الإضافة، ونحوها. ) ) [3] .
· ونقل البطليوسي (ت 521 هـ) قولَ الأخفش الأوسط (ت 215 هـ) في تحديد الحرف قائلًا: (( والحرف ما لا يحسن له الفعل ولا الصفة ولا التثنية ولا الجمع ولم يجز أن ينصرف ) ) [4] ، واعترض عليه بأنه خطأٌ (( لأن الفعل يدخل تحت هذا التحديد، ومن الأفعال أيضًا مالا ينصرف. ) ) [5] .
· ونُقِلَ عن المبرد (ت 286 هـ) قوله: (( والحرف ما كان وصلًا لفعلٍ إلى اسمٍ أو عطفًا أو تابعًا لمتحدث به أو كان عاملاُ. ) ) [6] ، واعترض البطليوسيُّ عليه بأن من الحروف ما يأتي لمعنى الاستفهام، أو الاستثناء، أو لمعنى النفي أو القسم أو التمني أو النهي، فهذه لا يكون الحرف فيها وصلة لفعلٍ. )) [7] .
· وحدَّ ابن السرَّاج (ت 316 هـ) الحروف بأنها: (( مالا يجوز أن يخبر عنها ولا يجوز أن تكون خبرًا. ) ) [8] ولم يبيِّن ابن السرَّاج ماهية الحرف ووظيفته، واكتفى بالإشارة إلى علاماته التي بها يعرف.
· ولم يبتعد الزجَّاجي (ت 337 هـ) عن حد سيبويه (ت 180 هـ) حينما قال: (( الحرف ما دلَّ على معنى في غيره، نحو: مِنْ و إلى وثمَّ وما أشبه ذلك. ) ) [9] .
· وقد ردَّد جمع من النحاة تعريف سيبويه بصورة أو أخرى، فالنحَّاس (ت 338 هـ) يقول: (( الحرف ما دلَّ على معنى في غيره، وخلا من دليل الاسم والفعل. ) ) [10] .
· وأبو علي الفارسي (ت 377 هـ) يقول: (( ما جاء لمعنى ليس باسمٍ ولا فعلٍ ... ) ) [11] .
(1) - ظ: أقسام الكلام العربي من حيث الشكل والوظيفة: 11 - 91.
(2) - نفسه: 76.
(3) - الكتاب 1\ 12.
(4) - الحلل في إصلاح الخلل من كتاب الجمل: 75.
(5) - نفسه: 76.
(6) - الحلل في إصلاح الخلل من كتاب الجمل: 76.
(7) - المصدر نفسه.
(8) - الأصول في النحو: 39، 43.
(9) - الجمل: 17، الإيضاح في علل النحو: 54.
(10) - التفاحة في النحو: 14.
(11) - الإيضاح العضدي: 1\ 8.