· وقال ابنه (ت 686 هـ) في شرحه: (( الكلم اسم جنس واحده كلمة ... وهي على ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف؛ لأن الكلمة إما أنْ يصح أنْ تكون ركنا للإسناد أو لا، الثاني الحرف، والأوَّل إما أنْ يصح أنْ يسند إليه أو لا، الثاني الفعل والأوَّل الاسم، وقد ظهر من هذا انحصار الكلمة في ثلاثة أقسام. ) ) [1] وواضح أنه يعتمد طريقة ابن الحاجب نفسها القائمة على النفي والإثبات لحصر الأقسام وتحديدها. وكذلك اعتمد الطريقة نفسها ابن عقيل (ت 769 هـ) حينما علل انحصار الأقسام [2] .
· ويصرح ابن هشام الأنصاري (ت 761 هـ) بالإجماع قائلا: إنَّ (( الكلمة جنس تحته هذه الأنواع الثلاثة [أي الاسم والفعل والحرف] لا غير أجمع على ذلك من يعتد بقوله. ) ) [3] ، ويقول: (( والدليل على انحصار أنواعها في هذه الثلاثة الاستقراءُ، فإن علماء هذا الفن تتبعوا كلام العرب فلم يجدوا إلاَّ ثلاثة أنواعٍ، ولو كان ثَمَّ نوعٌ رابعٌ لعثروا على شيءٍ منه. ) ) [4] .
ومع هذا الإطباق من علماء العربية القدماء كلَّه إننا لا نعدم من يقول بوجود قسم رابع أطلق عليه (الخالفة) [5] ، وهو أسماء الأفعال. لكن قولًا مثل هذا لا يضر بالإجماع كما صرَّح بذلك ابن هشام (( فإنها لا تعدم أن تكون رأيًا كالآراء النحوية المفردة العاربة، والمتناثرة في كتب النحو. ) ) [6] .
اعتمد النحاة في استدلالهم على انحصار الأقسام على دليلين رئيسين، ينظر الأوَّل منهما إلى وظيفة اللغة ومهمتها، وطبيعة مكوناتها، وكيفية تركيب بعض الكلم مع بعض، وهذا تفسير لغوي فيه عمقٌ ووجاهةٌ وبُعدُ نظرٍ، والآخر هو الذي سميناه الدليل الوجداني، الذي قال به بعضهم من أن لو كان هنالك قسم رابع لعُلِمَ من خلال الاستقراء أو وقائع الأحوال، ولأوجد عدم ذكره مع بقية الأقسام خللًا في التعبير عن المعاني.
وبعبارة أُخرى: إن النحاة قد اختلفوا (( في مجال تقسيم الكلم فمنهم من راعى الأسس الشكلية في التقسيم، ومنهم من راعى الأسس الوظيفية، أو ما يعبر عنه النحاة المحدثون بالمعاني الوظيفية، ومنهم من جمع بين هذه وتلك. ) ) [7] . أقول: إن تصافقهم على انحصار القسمة بتلك الأقسام الثلاثة كان له سند متين، صرح به بعضهم، وأغفله آخرون، وهو إن أوَّل من تنقل عنه هذه القسمة الجامعة هو أمير المؤمنين علي (( ت 40 هـ) [8] ، وذلك في الرواية التي تشير إلى أثره الرئيس في تخطيط أسس علم النحو، حينما دار الكلام بينه وبين أبي الأسود الدؤلي (( ت 69 هـ) وقد صرَّح الزجَّاجي (ت 337 هـ) بهذا الدليل قائلًا: (( وقد روي لنا أن أوَّل من قال ذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، أعني قوله:(الكلامُ: اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ) . )) [9] ، وصرح بهذا أيضًا السيوطي (ت 911 هـ) [10] ، لقد كانت هذه الرواية حاجزًا عاليًا دون اعتراض الأوائل على هذه القسمة والخروج عليها، وإلاَّ فالنحاة لم يتسالموا على شيءٍ مثل تسالمهم على التقسيم الثلاثي للكلم.
(1) - شرح ألفية ابن مالك: 3، وينظر معه: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك: 1\ 12.
(2) - ظ: شرح ابن عقيل: 1\ 13 - 14.
(3) - شرح شذور الذهب: 17، وينظر معه: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك:1\ 12.
(4) - شرح قطر الندى وبل الصدى:12.
(5) - ذهب إلى هذا القول أحمد بن صابر النحوي (مجهول الوفاة) ، ينظر: همع الهوامع:1\ 4،2\ 105، بغية الوعاة:1\ 311، الأشباه والنظائر:3\ 71، حاشية الصبان:3\ 196.
(6) - حروف المعاني في معجم لسان العرب: 11.
(7) - أقسام الكلام العربي من حيث الشكل والوظيفة: 35.
(8) - للإطلاع على هذه الرواية ينظر: وفيات الأعيان: (ترجمة ظالم بن عمرو) : 2\ 535، إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب: (ترجمة علي بن أبي طالب:5\ 276، سبب وضع علم العربية: 34، الاقتراح: 203.
(9) - الإيضاح في علل النحو: 42 - 43، وينظر معه: الاقتراح: 203.
(10) - ظ: سبب وضع علم العربية: 33 - 34، 43.