تحقيقها نسبيًا، وإن تحققت في جيل فليس ثمة ما يضمن تحققها في جيل لاحق، فالصعود والهبوط يعتقبان في تاريخ البشر، وتجديد الدين وإحياء السنن وتوثيق عرى الإيمان يرتبط بالدعوة الاسلامية، ومدى وعي الدعاة لمضامين الاسلام وشموليته وقدرتهم على تمثل تعاليمه، وإقناع الآخرين بها.
إن القرآن هو أول كتاب باللغة العربية حرَّك وعي الإنسان قبل أربعة عشر قرنًا، وفتح عقله على مكانه في الكون والحياة، وعرَّف بالحقوق والواجبات التي تعمق وعيه الاجتماعي ونظرته الإنسانية، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوضح ذلك كله بأقواله وسيرته الشخصية، ونظرًا لتمثله القرآن بعمق ووعي خاصين، وتأثيره الكبير في جيله خاصة فإن الرؤية القرآنية تحولت إلى واقع إنساني معاش، تفاعل مع الوحي الإلهي- قرآنًا وسنةً- وأثمر ارتقاءً عظمًا في الوعي الإنساني العام عندما انتشر الاسلام في الزمان والمكان ..
هدفت الدعوة الاسلامية إلى تخفيف معاناة الإنسان في الحياة، والتي يمكن أن تتضاءل بازدياد وعيه في ظل الوحي الإلهي، في حين قد يؤدي ازدياد الوعي الى زيادة المعاناة عند غياب الايمان، فقسوة الحياة تشتد عندما تفقد المعنى، والدين هو الذي يعطيها المعنى.
وقصدت الدعوة الاسلامية الى تحرير الإنسان من الأوهام والأساطير والخرافات والشعوذة التي يقوم بها منتفعون يزعمون أنهم وسطاء بين الله والناس. وأحيانًا اتخذ الانسان وسطاء من الحجر والشجر والبشر يناجونهم ويسألونهم، فأعلنت الدعوة الاسلامية أنه محض الشرك وأن لا وساطة بين الله والإنسان، وفي الحديث"اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب" [1] مما يفتح بصيرة
(1) البخاري: الصحيح 7: 168، ومسلم: الصحيح 4: 1740