الصفحة 62 من 93

فأدعو هؤلاء -وسائرَ المسلمين- إلى تبرئةِ ذمَمِهم، وعدمِ المشاركةِ في سفكِ دماءِ المسلمين، والسعيِ إلى حقنِها؛ فإنَّ حماسَ قد استغلَّت هذه الأحداث فأسرت نحوَ (التسعين) مِن إخوانِنا السلفيين [وقد زادوا اليومَ كثيرًا] ، ولا تبدو نيِّتُها فيهم خَيرًا، فكثير مِنهم مصابٌ أُخِذَ مِن المستشفى إلى أوكارِهم للتحقيقِ معَه، باستغلال تلك الجراحاتِ للضغطِ عليهم، وتعذيبِهم، فأدعو المسلمينَ كافةً: إلى الإنكارِ على حماس، والضغطِ عليها لفكِّ أسرِ أولئك الأخيار، ولإعطاءِ أهلِهم والمنظمات المختصة الفرصةَ لتطبيبِهم، وإلى قطعِ الطريقِ أمامَها لئلا تُعدِمَهم كما أعدمَت مَن قبلَهم مِن الجرحى، ثم تدعي قتلهم في المواجهةِ أو بأثرِ جراحاتِهم، وليس هذا مِن سوءِ الظنِّ، وإنما هو توقعٌ مناسبٌ لما اقترن بالأمرِ من توحُّشِ تلك الجماعةِ، واندفاعِها في سفكِ دماء السلفيين قتالًا في الاشتباكِ وقتْلًا بعد الأسرِ، ومن تَكرارِ كذباتِها المفضوحةِ، وأمنِها من إنكارِ المنكرين، وما صاحب ذلك مِن تعتيمٍ إعلاميٍّ مِنها على مواقعِ المواجهاتِ والمستشفياتِ لئلا يُنقلَ عَنها إجرامُها بالتصويرِ والروايةِ [كما سمعنا في التسجيل قائدَهم ينهى عن التصويرِ] ، ولو كانَت نيَّتُها غيرَ ذلك لما منعت الإعلاميين، ولما أخذت المصابين من المستشفيات .. فهذه رسالةٌ إلى كلِّ مسلمٍ صادقٍ في إرادتِه حقنَ الدماء.

الوقفة الرابعة: مع مَن ظهر أنَّهم عمدوا إلى ردِّ الظلمِ بالظلمِ، والإجرامِ بالإجرامِ، وابتغَوا نصرَ اللهِ بِما يُسخِطُه، وبحثوا عن الانتصارِ بما هو سببُ الهزيمةِ والفشلِ، أعني أولئك الذين تنادُوا بتكفيرِ كلِّ منتسبٍ إلى حماسَ، ودَعوا إلى استهدافِ المرابطينَ، وتفجيرِ المساجدِ، واغتيالِ المنتسبين إلى تلك الحركةِ انتقامًا منها، وعَجبٌ مِن هؤلاءِ، أهُم طُفَيلياتُ الفِتَنِ أحفادُ ابن سبأ من اليهود والعَلمانيين؟ أم هم من (إعلامِ حماسَ) أرادوا سَتْرَ سوءَتِها وإحداثَ ما يُبرِّرُ جريمَتَها؟ أم هم إخوةٌ لنا صادقونَ غَضِبوا لإخوانِهم وآذاهم إجرامُ حماسَ وتقتيلُها لهم فلم يضبطوا ردودَ أفعالِهم بالشرعِ؟ الذي أجزمُ به أنَّ تلكَ الأصوات خليطٌ مِن هذا كلِّه.

وأقول في هذا المقامِ: إنَّ كثيرًا مِمَّا رأيناه مِن الدعواتِ غلوٌّ ولا شكَّ، وليس صاحبُه أهلٌ للنصرِ، ولا للنُّصرةِ فيما يريد، بل هو حقيقٌ بأن يؤخذَ على يدِه، ويُنكَرَ عليهِ، ساعيًا كانَ إلى تلك الأعمالِ أم محرِّضًا عليها.

وأجزمُ بأنَّ تلك الدعواتِ لا تصدرُ مِن أهلِ العِلمِ والحكمةِ، ولا يؤيِّدُها مشايخُنا في أفغانستان قادةُ قاعدةِ الجهادِ، ولا غيرُهم مِن المنتسبين إلى العلمِ، حتَّى مَن يكفِّرُ رؤوسَ حماس.

وأقول لإخواني السلفيين في غزةَ: أيُّها الأحبةُ، إنَّ القلوبَ لتحزنُ، وإنَّ العيونَ لتدمعُ، وإنَّ المصابَ عظيمٌ، وإنَّ الخطبَ لجللٌ، ولكَن ليس لنا أن نقول إلا ما يرضي اللهَ، أو نفعلَ إلا ما وافقَ شرعَه، وليس لنا أن نشفيَ صدورَنا بما يَسخطُه اللهُ!

وإنَّ مِن أخصِّ خصائصِ المؤمِن أن يُسلِّمَ بما قدَّرَه اللهُ، وإنَّ مِمَّا ينافي التسليمَ بما قدَّرَه اللهُ: ما نراهُ اليومَ مِن غلوٍّ في التكفيرِ، ودعواتٍ إلى سفكِ الدماءِ انتقامًا بما يجاوزُ الشرعَ! فليَعلمَ مَن وقعَ في هذا غضَبًا أنَّه مِنه جاهلية، فليَتب منه ولا يزيَِّنْه له هواه، واللهُ يعفو عنا جميعًا.

واعلموا أنَّ ما أنتم فيه يطيشُ بعقلِ الحكيمِ، ويذهبُ بتحقيقِ العالِمِ؛ فإنَّ الحُزنَ والغيظَ والغضبَ انفعالاتٌ نفسية، والظلمَ وفقدَ الأحبةِ والمطاردةَ أحوالٌ مؤثِّرةٌ، والانتقامَ والمعاملةَ بالمثلِ شهواتٌ، وإنَّ هذا كلَّه يكونُ في النفسِ (هوى) خفيًّا عن صاحبِه، يقارِنُ التأولَ؛ فيؤثِّرُ في النظرِ، ويُخرجِه من دائرةِ الاجتهادِ المحضِ، إلى الاجتهادِ المشوبِ بهوى، فيقلُّ تأثيرُه أو يكثُر، بحسب عِلمِ المرءِ وديانتِه وتقواه وعقلِه وحكمتِه؛ ثمَّ تخرجُ الأحكامُ بحسبِ ما غلبَ مِن الأضدادِ: العِلمِ والإخلاصِ، أو الجهلِ والهوى، والعالِمُ قد يشوبُ عِلمَه جهلٌ وقصدَه هوى، إلا أنَّه لا يكونُ ذا جهلٍ أو هوى محضٍ، ولذا فإنَّ العالِمَ وإن أخطأَ بقولٍ مرجوحٍ أو شاذٍّ؛ فإنَّك ترى في كلامِه روحَ الشريعةِ ونَفَسَ المتشرِّعةِ، وفي أحكامِه القربَ مِن أحكامِها.

وأمَّا الجاهلُ فإنَّك راءٍ مِنه الشذوذَ منهجًا، والغلوَّ سمةً، والخطأَ لازِمًا؛ قال الإمامُ الشافعيُّ: (ومَن تكلَّف ما جهِل وما لم تُثبِتْه معرفتُه كانت موافقتُه للصوابِ -إن وافقه مِن حيثُ لا يعرِفُه- غيرَ محمودةٍ، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ معذورٍ، إذا ما نَطَقَ فيما لا يُحيطُ عِلمُه بالفَرْقِ بين الخطأِ والصوابِ فيه) [الرسالة 53] ، ويروى عن ابن عباس: (مَن قال في القرآن برأيه فقد أخطأ) ، وإنَّ الكلامَ في الشريعةِ إما أن يكونَ عن علمٍ ونظرٍ في مصادرِها، أو عَن رأيٍ محض، والجاهلُ ليس عندَه علمٌ؛ فإنَّ للنظرِ في دقائقِ الوحيين آلةً ليسَت عِندَه، وشروطًا ذكرها أهلُ العلمِ لم يحصِّلْها، فما هو إلا الرأيُ المحض، وإن تأولَه عِلمًا.

فمثلُ هذا فرضُه التقليدُ في الأحكامِ والنوازلِ إجماعًا، ولا يجوزُ له التصدُّرُ لها، وقد قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ، قال الحافظُ أبو عمر ابن عبد البر - رحمه الله- بعد ذِكرِه آثارًا عن السلفِ في ذمِّ التقليدِ: (وهذا كلُّه لغيرِ العامَّةِ؛ فإنَّ العامةَ لا بُدَّ لها مِن تقليدِ عُلمائها عِندَ النازلةِ تنزلُ بها؛ لأنَّها لا تتبين موقع الحجةِ، ولا تصل بعدمِ الفَهمِ إلى عِلمِ ذلك؛ لأن العلمَ درجاتٌ لا سبيل مِنها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا هو الحائل بين العامَّة ِوبين طلبِ الحجةِ، والله أعلم.

ولَم تختلفِ العلماءُ أن العامَّة عليها تقليدُ علمائها، وأنَّهم المرادون بقول الله عز وجل (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ، وأجمعوا على أنَّ الأعمى لا بُدَّ له مِن تقليدِ غيرِه مِمَّن يثقُ بمَيزِه بالقِبلةِ إذا أشكلت عليه، فكذلك مَن لا عِلمَ له ولا بصرَ بمعنى ما يَدين به؛ لا بُدَّ مِن تقليدِ عالِمِه.

وكذلك لم يختلف العلماءُ أن العامةَ لا يجوز لها الفتيا، وذلك -والله أعلم- لجهلِها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم والقولُ في العلم) [جامع بيان العلم 2/ 230] . وهذا مع عمومِه على المؤهِّلِ في الأحكامِ، يتأكَّدُ في المسائلِ دقيقةِ المنزعِ كتفصيلاتِ ما يُعتبرُ مِن الأوصافِ مانعًا، واعتبارِ الأحوالِ والقرائنِ والاحتمالاتِ ونحو ذلك، وفي المسائلِ جليلةِ القدْرِ كمسائلِ تكفيرِ الأعيانِ وقتالِ الطوائفِ، والسياسةِ الشرعيةِ التي زلَّ فيها علماءُ لم يجاهدوا، ومجاهدون لم يَعلموا، وعلماءُ مجاهدون لم يستشيروا؛ فزلُّوا وخالفوا الشريعةَ وأفسدوا مِن حيثُ لَم يشعروا .. فأينَ مِن مراعاةِ هذا بعضُ إخوانِنا -الذين تظهرُ عامِّيَتُهم في كلماتِهم- إذ يفتونَ بكفرِ أقوامٍ واستباحةِ دمائهم؟ بل قد رأيتُ مَن ينهى مستفتيًا في دماء عن الاستفتاء فيها قبلَ سفكِها، ورأيتُ مَن يصرِّحُ بأنَّه لا ينتظرُ فتاوى العلماء ليَحكم، ورأيتُ مَن يحرِّضُ على نساءِ وذُرِّياتِ القومِ، فما دينُ الخوارجِ إن لم يكن هذا دينُهم؟

ولا يؤهِّلُ المرءَ للفتيا في هذه المسائلِ العِظامِ أن يحصِّلَ مِن العلمِ طرفًا أو يعرفَ من الأدلةِ ظاهرًا يستدلُّ به؛ فليحذر إخوانُنا من الاغترارِ بما يزيِّنُ به هؤلاءِ أقوالَهم، فلا يكادُ الباطلِ يكونَ محضًا بل يشوبُه حقٌّ ويستدلُّ له بما يظنُّه صاحبُه دليلًا مِن عامٍّ خُصَّ أو متشابهٍ أُحكِمَ أو قاعدةٍ عامةٍ ونحو ذلك .. ولا يَغترَّ إخواننا بأن وَجَدوا عندَهم ما جهلوه هُم فيظنوهم من أهلِ العِلمِ؛ فإنَّ الجاهلَ لا يرى مَن هو في العِلمِ فوقَه إلا وظنَّه عالِمًا، ولا يكادُ يميِّزُ بينَ العالِمِ وغيرَه، وكَم اغترَّ شبابُ الإسلامِ قديمًا وحديثًا بمَن عندَه شيءٌ مِن آثارِ العِلمِ يجادلُ بها فظنوه عالمًا، والواجبُ على هؤلاءِ: أن لا يثقوا إلا بمن وثَّقَه أهلُ العِلمِ وصيارفتُه، وأذنوا له بالاجتهادِ والفتيا، فهؤلاء هم مَن يقلِّدُ مِنهم العاميُّ أوثقَهم عندَه ديانةً وعِلمًا.

وليس المقامُ مقامَ بسطِ الكلامِ في هذه الآفةِ التي أصابَت الصحوةَ الإسلاميةَ بتياراتِها كافةً ردًّا على متعصِّبةِ المذاهبِ المقلِّدةِ، أعني آفةَ نبذِ التقليدِ مطلقًا، ودعوى الاجتهادِ مِمَّن ليس بأهلٍ، وجعلِ الاجتهادِ في الدينِ وأحكامِه مباحًا للمثقِّفِ والمبتدئِ بل العاميِّ، إلا أنَّ مرادي من الإشارةِ إليها تقريرُ أنَّ الواجبَ على إخوانِنا أن يتقوا اللهَ، ويتحرَّوا ما عليهِ علماؤهم، ولا يجتهدوا في الفتيا، وأن يحذروا أن يغتروا بأنصافِ المتفقِّهةِ، أو أن يتبعوا فتاوى المجاهيل، أو يتأثروا بما رأوا الكثرةَ عليه؛ فإنَّ الكثرةَ مِن العامةِ في الفتنِ كقطراتِ الماءِ المجتمعةِ، تتوجَّهُ تيَّارًا قويًّا مندفعًا حيثُما حُفِرَ له يجرفُ الشَّجرَ الرَّاسخةَ جذورُه.

إنني اليومَ أدعوكم إلى ما دعاكم إليه من قبلُ مجددو دينِ الأمةِ في التوحيدِ والجهادِ .. فعليكُم باتباعِ أهلِ العِلمِ الثِّقاتِ، وعليكُم بأهلِ الاتزانِ والعقلِ مِنهم، وما أكثرَهم! فهذا أبو يحيى الليبيُّ، وهذا عطيةُ الله، وهذا أبو الوليد الأنصاريُّ، وهذا أبو اليزيد -وهو طالبُ علم-، وهذا أيمنُ الظواهري -وهو مِن أهل الحكمة والتجربة، ولا يصدر إلا عن أهل العلم-، وهذا أبو قتادةَ الفلسطيني، وهذا أبو بصير الطرطوسي، وهذا أبو محمد المقدسي، وغيرهم كثير .. لم يذهب منهم أحدٌ إلى تلك المذاهب البعيدةِ عن الشرعِ والحكمةِ، نعم قال بعضُهم بكفرِ رؤوسِ حماس، وهو في هذا مخطئٌ، ومخالفٌ لأكثرِ إخوانِه، إلا أنَّ أحدًا مِنهم لم يقل بكفرِ المنتسبين إلى حماس كافةً، ولم يفتِ أحدٌ مِنهم -فيما أعلم- بقتالِها ابتداءً وإعلانِ الحربِ عليها، وأكثرُهم قد عذروا القومَ -ولم يصوِّبوهم- في تركِهم الحكمَ بالشريعةِ بتأولاتٍ ظنَّوا بها أنَّ لهم رخصةً وأنَّهم عاجزين ومكرهين، وأنَّهم بما يفعلون يتدرجون في التطبيق ... إلخ؛ ووجه الشركِ في الحكمِ هو الخروجُ عن شريعةِ اللهِ والحكمُ بغيرِها، وهم قد تأولوا أنَّ ما هم فيه من الخروج عن الشريعةِ هو عين ما تأمرهم به الشريعة؛ وهذا يجعلُ التأولَ -في هذا المحلِّ- مانعًا معتبرًا لو تحقَّقَ، وهم -كما قدمتُ- لهم التأولات المذكورة وغيرُها، وهذا ما قدَّره أهلُ العِلمِ فعذروهم به ولم يكفروهم مع إنكارِهم عليهم وإبطالِهم لمذهبهم، قد حُفِظَ عن كثير من العلماءِ المجاهدين وطلبةِ العلمِ منهم إعذارُ هؤلاءِ مع وقوعِهم فيما وقعوا فيه، مِنهم الشيخ أبو الوليد الأنصاري، وعطية الله، والشيخ العالِم المحقق أبو قتادة، والشيخ أبو يحيى، والشيخ أبو اليزيد، (بل والشيخ أبو النور نفسه) ، وغيرهم، فضلا عن مشايخِ غيرِ ما يسمى بتيار الجهادِ ممن ناصح حماس وأنكر عليهم سبيلَهم، كالشيخ ابن غنيمان، والشيخ ابن جبرين رحمه الله، والشيخ الحوالي، والشيخ الطريفي، والشيخ الصادع بالحقِّ الملقب بفقيه مصر محمد ابن عبد المقصود شفاه الله، وكثيرٌ غير هؤلاء .. فتحرَّوا لدينِكم هو أتقى لكم، وقدِّموا مِن العلماء أرسخَهم عِلمًا وأهدأهم نفْسًا وأقدَمَهم تجربةً، لا مَن وافقَ اجتهادُه أهواءً عرَضَتْ لكم، فإنَّ العالِم قد يفتي بما يخالفُ الشريعةَ ويؤجَر، ويتبعُه على فتياه أقوامٌ ويأثمون.

وفي الوقفةِ التاليةِ كلامٌ في هذا مِن جهةِ اعتبارِ المصلحةِ والسياسةِ.

الوقفةُ الخامسةُ وفيها: أنَّ هذه الجريمةَ كما ذكرتُ ليست كسابقاتِها، وقد ذكرتُ في تعليقٍ سابقٍ على جريمةِ الصبرةِ بأنَّ حماسَ ستُسقِطُ -بغرورها وصلفها- نفسَها بنفسِها، وما علينا إلا أن نعينَها على ذلك وندفعَها إليه، وأن لا نقعَ فيما شأنُه تأخيرُ سقوطِها مِن أعيُنِ المسلمينَ. واليومَ صرنا نرى طوائفَ السلفيين، والحركاتِ الإسلامية، وعامة المسلمين، يتكلمون في سياسةِ حماس، ويتنبهون إلى إجرامِها بعد أن كانوا يُصمُّون آذانهم عن كلِّ كلمةٍ تقال عنها، ويتعامون عن رؤيةِ سوءاتِها ثقةً فيها .. وما هذا بتدبيرِنا وحسنِ أفعالِنا، بل هي سُنَّةُ اللهِ في الظالمِ، وهو أثرُ الحمقِ والغرور وسكرة السلطة، وأنتم ترون ضعفَ أصواتِ المرقِّعين لها في أسماعِ المسلمين، وتلاحظون تغيُّرًا جليًّا في موقفِهم منها .. وما تلاحظونَه أنتم تلاحظُه حماس أيضًا، وهذا هو سببُ تخبُّطِهم في الكذبِ على غيرِ العادةِ (أعني التخبطَ لا الكذبَ فإنَّه لهم عادةٌ ولهم فيه براعة، والمرء على دين خليلِه، وأخلاؤهم معروفون بالكذب) ، وهو سببُ مسارعتِهم في التبريراتِ والتصريحاتِ غيرِ المدروسةِ، ولم يجدوا حجةً لها عند الناس وجه: إلا إعلان الإمارة .. وغايةُ أثرها على الناس: أن لاموا إخواننا رحمهم الله، مع إنكارِهم لإجرامِ حماس .. فالواجبُ علينا مع هذا أن لا نقدِّمَ لحماسَ ما تستعينَ به علينا، وأن لا نشفيَ صدورَنا بكلامٍ تقطفُ به حماسُ رؤوسَ إخوانِنا، فما أسعدَ حماسَ بظهورِ مَن يكفِّرُ المنتسبين إليها ويدعو إلى قتالِهم! فإنَّ هذا مصدِّقٌ لما ادَّعتْه زورًا على إخوانِنا أبي النور وتنظيم الجند، وإعلامُ حماس الرسميُّ والمتعاونُ -كالجزيرة- سيضخِّمُ تلك البيانات، وسيُعرِضُ عن نصِّ أبي النورِ وبياناتِ الجند بعدم تكفير المنتسبين إلى حماس وعدم الدعوة إلى قتالِهم، وسيُعِدُّ افتراءاتٍ جديدةً (مُحرَّرةً) .

وإنَّ دعوتَنا السلفيةَ الجهاديةَ اليومَ -في غزةَ خاصَّةً- تنتصرُ بالإعلامِ والأقلامِ -بعد طاعةِ الله-، فتأييدُ المسلمين ووصولُ دعوتِنا إليهم مِن أهمِّ ما ينبغي أن نحرصَ عليه؛ فقوةُ حماس في سمعتِها التي اكتسبتْها مِن جهادِها وصبرِها، ثم بدأت تخسرُها بظلمِها وإجرامِها، وبعضُنا يسعى من حيث لا يدري في إحيائها.

وقوَّتُنا في إيماننا والتزامُنا بشرعِ ربّنا -ومنه الأحكامُ على الناسِ-، وفي طلبِ أسبابِ التمكين، ومِن أهمِّها: أن نسعى لإزالةِ ما علِقَ في أذهانِ الناسِ من أكاذيبَ شوَّهَتْ تصوَّرَهم لدعوتِنا السلفيةِ، وهذا بإظهارِ ذلِّنا لأهلِ الإيمانِ، وصبرِنا على الأذى، وحديثنا إياهم بما يعرفون، وإعراضنِا عَن فعلِ ما يُكذِّبونَ نسبتَه إلى دينِ الله ما وسعنا ذلك شرعًَا، وأن نتجنَّبَ تصديرَ غيرِ العلماءِ، والاستقلالَ بالآراءِ، وردود الأفعالِ التي دافعُها التشفي وإذهابُ الغيظِ .. فإنَّ هذا ما يريدُه القوم ويسعون إليه.

وأعظمُ ما يضادُّ إيصال دعوتِنا إلى الناسِ -بعدَ أن اقتربَت مِنهم-، ويسترُ عن أعينِهم سوءاتِ حماس، ويعينُ المجرمينَ على أن يئدوا دعوتَنا ويستأصلوا إخواننا، ما يعملُه بعضُنا -غيظًا أو جرأةً على الدين لا فيه- مما سلَف إنكارُه، من الأحكامِ والتصريحاتِ والأفعالِ.

وأمثلُ ما نفعلُ: أن لا نعطيَ القومَ فرصةً لتبريرِ إجرامِهم، وأن ننشطَ -بحمَلاتٍ منظَّمةٍ على الشبكةِ وفي غزة وفي مجالسِ أهلِ العِلمِ وسائر وسائل الإعلام- لتوثيقِ الأحداثِ وبيان الحقائقِ، لزيادةِ جلاءِ الأمرِ، ولإيصالِ الحقيقةِ إلى المسلمين داخل غزة وخارجَها، فاليومَ يومُ جندِ الإعلامِ، كونوا مِنهم، أو لا تكونوا مع حماس ضِدَّهم!

وأقترحُ أن ينظِّمَ مركزُ اليقين -أو أي منبر إعلاميٍّ عُرِفَ بالإتقانِ- حملةً إعلاميةً، يقدِّمُ فيها تقاريرَ عن ما حصلَ، تحتوي على التسجيلاتِ المرئية والمسموعةِ، وتفريغِها النصيِّ، وبياناتِ حماس، وما يكذِّبُها من تصريحاتِ الشيخِ وبياناتِ الجُندِ ومن الوثائق الصوتية المذكورةِ، بحيث تقدَّمُ هذه التقارير بأسلوبٍ متقنٍ، وبعرضٍ للحقائقِ مجردٍ عن الأحكامِ؛ لئلا تؤثِّرَ في نفسِ القارئِ، ويَحسنُ أن تُعَدَّ تقارير فيها حكايةٌ للأمرِ منذ مراحلِه السابقةِ، بذكرِ ما حصلَ في الصبرةِ وأخواتِها، لبيانِ حقيقةِ مراحلِ حربِ حماس للسلفيةِ وإجرامِها وافترائها عليهم بالوثائقِ والبيِّناتِ.[وإنَّ المكالمةَ التي سجلَها أحدُ الإخوةِ مع أحدِ المجاهدين المحاصَرين وهو يذكِّرُ جنودَ حماس بالله، ويَذْكُرُ أنه وإخوانَه يصلون خلفَهم، ولا يكفِّرُونهم، وأنَّ المجاهدين يتجنَّبُون ما لا تريده حماس مما يُشرَع فعلُه ويجوز تركه دفعًا للمفاسد، وأنَّهم إنما يريدون الدعوةَ إلى الله ونبذ الشرك، وقتال اليهود، وغير ذلك مما لا تشوبه شائبة .. إنَّ هذا لأشدُّ وقعًا على قادةِ حماس مِن قنابلِ اليهودِ؛ لكرهِهم لانتشارِه وهدمِه صروحًا من الأكاذيب بنوها، ولهو أشدُّ وقعًا على المخلصين المخدوعين منهم مِن قنابلِ اليهودِ؛ لمعرفتِهم به أنَّهم قاتلوا إخوانَهم المجاهدين ظلمًا وعدوانًا ونصرةً لحزبٍ لا لله، ورِفعةً لكراسي قادتِهم لا لشرعِ الله.

وإنَّ تلك الكلمات لتقدِّمُ دعوتَنا إلى الأمامِ بما يزيد عن تأخيرِ أكاذيب حماس لها، فأسأل الله أن يتقبل ذلك المجاهدَ ويغفر له، ويفكَّ أسرَه إن كان أسيرًا، وأن يجعل مَن بقيَ بعدَ تلك العصابةِ المؤمنةِ يقتدون بها في إنصافِها والتزامِها بشرعِ ربِّها، ولا ينقادون لدعواتٍ تسرُّ العِدا وتضرُّ الأولياء وتؤَخِّرُ الدعوةَ وتفرِّقُ الصفَّ، وأشيرُ هنا: إلى أنَّ أولئك -خلافًا لضرر دعواتهم- قد خذلوا إخوانَهم ووقفوا عثرةً في طريقِ الوحدةِ مِرارًا لأعذار واهية، والعارفُ عارفٌ، وحسبي الإشارة!].

ولستُ فيما أنكرتُ آخذًا جانبَ حماس أو خاذلًا لإخواني؛ فصديقُك مَن صَدَقك لا مَن صدَّقك، ومخالفةُ هوى الصاحبِ لمصلحتِه مِن صدقِ صُحبتِه، والنصحُ للإخوةِ حقٌّ فرضَه اللهُ تعالى، ودعوتُنا أمانةٌ في أعناقِنا جميعًا، ومِن العارِ تركُها لمَن يقضي عليها بعداوتِه أو سوءِ تصرُّفِه.

الوقفةُ السادسةُ: مع سفكةِ دماءِ المسلمين .. ولستُ بواقفٍ مع الآمرِ بل المأمورِ؛ أعني مَن تربَّى في المساجِدِ وحفظ كتاب الله، ثمَّ انقلبَ إلى قصفِ المساجدِ وقتالِ حفظةِ كتابِ اللهِ! من حضر مجالسَ العِلمِ، ثمَّ انقلبَ يقاتِلُ أهلَ العِلم .. مَن كان إرهابيًّا يقاتِلُ اليهودَ ويخشاه الأمريكان ثمَّ انقلبَ جنديًّا من جند الحربِ على الإرهابِ .. يقاتلُ من يعيقُ قيامَ دولةٍ لحِزبِه يرضى -بظنِّه- عنها الأمريكان، ويتعاون معها الطواغيتُ .."الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة .. فإن العزة لله جميعا"..

لستُ بما في قلبك بعليم، ولكنَّ الله به عليم، وأنتَ لا شكَّ تعلمُه .. أطاعةً للهِ تقاتلُ إخوانكَ وتطارُدهم وتؤذيهم أم لطاعةً كبراءِ جماعتِك؟ أنصرةً لدينِ اللهِ خرجتَ تقاتلُ مَن يسمِّيهم صحبُك في مجالسِهم"بالتلفية"و"التكفيريين"أم نصرةً لحزبِك؟

لستُ أدعوكَ هنا إلى شيءٍ، إلا إلى التأمَّلِ في قلبك، والنظرِ في نفسِك، وتذكُّرِ نشأتِك في هذه الجماعة: أأرضعوكَ ناشئًا الولاءَ والعصبيةَ للمسلمين أم للإخوانِ المسلمين؟ أغرسوا في نفسِك تعظيمَ أوامرِ اللهِ وطاعتَه أم تعظيمَ أمرِ المسؤولِ وطاعتَه؟

وإنِّي سائلك: أعندكَ فيما سفكتَ برهانٌ تطمئنُّ إليه نفسُك، وترجو أنَّه يومَ القيامةِ عذرُك؟

أدعوكَ وأنا لك ناصح: أن تنظرَ فيما فعلتَ متجرِّدًا مِن الهوى ومن الولاءِ لكلِّ ندٍّ لله إلا ولاءً خالصًا لله، وأن تطَّلِعَ على كلامِ مَن سفكتَ دماءًهم سمعًا للقومِ وطاعةً وهو منشورٌ في الشبكةِ بالبياناتِ والخُطَبِ: أبان كما نقلَه كبراءُ قادتِك لك (تكفير لك وللمسلمين) أم تبيَّن لك زيفُه، وأنَّك سفكتَ دم عالمٍ ومجاهدين بما ليس فيهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت