وليس ذلك على خَطره بدعًا من طبيعة الأشياء؛ فمحمد هو رسول الله وخاتم النبيين، وقد أنزل الله إليه الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، والناس المعنيُّون بهذا هم كلُّ الناس منذ بُعث حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وهؤلاء _بسنة الله في الكون_ في تجدد دائم، وتطور متصل، تَجِدُّ لهم دائمًا أحوال، وتحدث لهم أحداث يكون لها آثارها في معاشهم وعلومهم وتفكيرهم.
فليس عجبًا أن يلتمس المؤمنون في الكتاب المنزل وفي التفسير الحيّ لهذا الكتاب الذي عاشه خاتم النبيين بسيرته _ هديًا لهم فيما يستقبلون كل يوم من شأن، وليس عجبًا أن يلتمس غيرُ المؤمنين في هذا الكتاب المنزَّل وفي تفسيره الحي من سيرة الرسول ما عسى أن يقعوا فيه على مسافة خُلف بين الدين والتطوُّر، أو بين الكتاب والسنة أو السيرة.
وكذلك عُنِيَ المؤمنون وغير المؤمنين بالسيرة عناية تختلف من حيث الحقيقة والخرافة، ومن حيث الإنصاف والجور.
والسيرة الشريفة _مع هذه العناية المتصلة_ جديدةٌ خصبة، ملهمة موحية، لأنها الترجمة الحية العملية لمبادئ الإسلام العليا.
وما أكثر ما تَجنَّى خصوم الإسلام على سيرة نبيه جهلًا أو جحودًا بالحق، فلم ينالوا منها نيلًا، بل ربما دفع تجنِّيهم بعضَ الباحثين إلى العناية بها؛ تَلَمُّسًا للإنصاف، وطلبًا للمعرفة؛ فهدوا بذلك على الخير، أو شيء منه.
ونحسب أن من صلاة الله على نبيه أن أوزع الناس هذه العناية بسيرته سواء منهم من أقرَّ به، أو من أنكر نبوته؛ لأنه"نور، ومن عرف النور فقد شهد لنفسه بالاستبصار، ومن أنكره فقد شهد على نفسه بالعمى، والنور على الحالين نور."
وقد رفع الله ذكر محمد، فقرن اسمه باسمه في الأذان والصلوات، ووصفه في أكثر من موضع من القرآن بصفات تجعله في المرتبة التي لا تُنال.