فلماذا نأتي اليوم بـ «بدعة» جديدة لا أساس لها في الدين لا من قريب ولا من بعيد؟ وقد سئل الإمام مالك - كما نقله الإمام أبو عمْرو الدّاني عن أشهب: هل يُكتب المصحف على ما أحدثه النّاس من الهجاء؟ فقال: لا، إلاّ على الكِتْبَة الأولى.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: يحرُم مخالفة خطّ مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف، أو نحو ذلك.
وذكر الإمام الشُّرُنْبُلالِيّ الحنفي في رسالته المسمّاة (النفحة القدسيّة في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسيّة) : «إجماع الأئمّة الأربعة، واتفاق علماء مذاهبهم، على أنّ اتباع رسم خط المصحف العثماني واجب في كتابة القرآن الكريم، وأنّ كتابته بعبارة غير عربيّة: حرام، وكذا كتابته بغير خطّ عربيّ: ممنوع» .
وقال الإمام الحافظ ابن الجوزي (ت 597 هـ=1200 م) : «إنّ كتابة الصّحابة للمصحف الكريم مما يدلّ على عظيم فضلهم في علم الهجاء خاصّة، وثقوب فهمهم في تحقيق كلّ علم» [1] .
وقال الإمام البيهقيّ (ت 458 هـ=1065 م) في كتابه (شُعَب الإيمان) : «مَن كتب مصحفا، ينبغي أن يحافظ على الهجاء الّذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه، ولا يغيّر ممّا كتبوه شيئا، فإنّهم كانوا أكثر علما، وأصدق قلبا ولسانا، وأعظم أمانة، فلا ينبغي أن نظنّ بأنفسنا استدراكا عليهم» .
وقال القاضي عَيَّاض [2] (ت 544 هـ=1149 م) : «أجمع المسلمون أنّ القرآن المتلوّ في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين، ممّا جمعُهُ الدّفّتان من أوّل {الحمد لله ربّ العالمين} إلى آخر {قل أعوذ بربّ النّاس} أنّه كلام الله ووحيه المنزّل على نبيّه محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وأنّ جميع ما فيه حقّ، وأنّ من نقّص منه حرفا قاصدا لذلك، أو بدّله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفا ممّا لم يشتمل عليه المصحف الّذي وقع الإجماع عليه، وأجمع على أنّه ليس من القرآن عامدا لكلّ هذا، أنّه: كافر» .
(1) عبد الحي الكتاني: التراتيب الإداريّة في نظام الحكومة النّبويّة. ط. مصوّرة في بيروت (د. ت.) .
(2) في كتابه (الشّفا /ج 2 /ص 250) .