يقول الدّكتور معروف الدّواليبي في مقال له [1] ، وهو يتحدّث عن تاريخ نشأة المسيحيّة وما تفرّع عنها من كاثوليكيّة، فأرثوذكسيّة، فبروتستانتيّة: «كلّ هذه الأديان الثّلاثة تابعة للأناجيل الأربعة التي قُبلت وحدها من أصل مائة إنجيل في أوّل مؤتمر مسكوني دعا إليه قسطنطين، ليُتّخذ دينا عامّا للدولة يسمّى الكاثوليكيّة التي تَعني حرفيّا: الدين العام، تخلّصا من الفرق المسيحيّة التي كثرت وتعدّدت في زمانه، حتّى بلغت أناجيلها مائة إنجيل، وكلّ فئة تدّعي أنّ إنجيلها هو الصّحيح» .
فهذا الذي تحدّث عنه الدّكتور الدّواليبي نخشى أن نصل إليه - لا سمح الله - وإن كان ذلك بعيدا، لكن لا ندري ماذا يُخفيه لنا أعداؤنا، ومعهم النّاعقون من بني جلدتنا، الذين لا يرقبون عواقب الأمور في كلّ محظور.
وقد صدق المفكّر المسلم الأستاذ وحيد الدين خان حين قال: «حين دُوّن القرآن في عهد أبي بكر - رضي الله عنه - بإشراف الدّولة، أُحرِقت النّسخ الانفرادية الأخرى بسبب هذه الحكمة، وهي: أنّه لو دُوّن القرآن بجهود انفراديّة لتفجّر خلاف شديد ما كان ليهدأ قبل يوم القيامة؛ ولعلّ عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أيضا، وضع مثل هذه الخطّة لجمع الأحاديث النّبويّة وتدوينها، ولكنّ هذا العمل لم يتحقّق بإشراف الدّولة الإسلاميّة بسبب موته المبكّر» [2] .
فتوحيد دستور المسلمين الخالد إذًا، نعمة جزيلة ومنّة عظيمة على جميع المسلمين في أنحاء العالم.
لقد نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، ثمّ كُتب باللغة العربيّة على أيدي مهَرَة من كتبة الوحي الذين اصطفاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهذا العمل الجلل، ولذا حُفظت كتابته من وقت نزوله إلى اليوم، ووقع الإجماع على هذا في عهود الصّحابة، والخلفاء الراشدين، والتابعين، وأتباع التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. ومضى الحال على ذلك، ودخل مَن دخل من الأمم غير العرب في الإسلام، ولم يُفكّروا يوما في إحالته عن عربيّته: فالمسلمون من غرْب آسيا وشمال إفريقيا استعرَبوا بالإسلام والقرآن، والهنود والأتراك وأهل فارس والأوربيون (حديثا) ممن دخلوا في دين الله كذلك.
(1) نشرته مجلّة المجتمع في عددها العاشر سنة 1399 هـ.
(2) كتابه: نحو تدوين جديد للعلوم الإسلاميّة، ص 18.