الصفحة 5 من 35

إذًا: العبودية التي ينبغي للإنسان أن يتجرد منها هي العبودية الباطنة والعبودية الظاهرة، كما أن الإسلام جاء بحرب العبودية الظاهرة والعبودية الباطنة، وحارب ظواهر العبوديات بالسجود للأصنام والطواف على القبور ونحو ذلك كذلك فقد جاء بتجريد القلوب مما يشغلها مما يفوت حظ العبد عند ربه جل وعلا في امتثال ما أمر الله، وكذلك في اجتناب ما نهى عنه. إذًا: عمارة القلب بشيء من حظوظ الدنيا تجعل الإنسان عبدًا، ومقياس ذلك أنه يفوت جانبًا آخر فيفقد حينئذٍ الميزان، وهو عند نفسه يظن أنه على نهج قويم، وعلى صراط مستقيم، وهو أبعد ما يكون عن ذلك؛ لهذا تباين الناس في فهم خطاب الشرع الذي وجهه الله جل وعلا إلى العباد من الثقلين من الإنس والجن، فلم يفهموا الخطاب حق فهمه؛ لأن القلوب مشغولة، منصرفة؛ ولهذا كفار قريش بعضهم انصرف عن سماع الحق، ووضع أصبعيه في أذنيه، لماذا؟ لأنه قد أقبل بزعمه إلى ما هو أولى من جهة حظه إلى نفسه، وهذا أعظم ما يجعل الإنسان يظل عن الصراط المستقيم وينحرف عن النهج القويم أنه لم يجعل لأذنيه حظًا أن تسمع الحق فتوصله إلى القلب، فإذا وصل إلى القلب فإن القلب لا يمكن أن يرد الحق بعد إذ وصل إليه سليمًا؛ لهذا أقام الله جل وعلا الحجة على العباد بمجرد سماع الحجة، وأما فهمها فمرده إلى الإنسان؛ ولهذا الإنسان إذا وجه الخطاب إلى أحد من المخاطبين المكلفين، سواء من أبنائه أو خدمه، فإنه يكتفي بذلك إذا أصغى إليه انتباهه، وسمع ذلك الخطاب، فإنه ينزل عليه العقوبة في حال المخالفة، ولا يعذره إذا قال: لم أسمع، أو لم أفهم ونحو ذلك، ولكنه عند سماع الخطاب قد فهم ذلك فنزل عليه العقاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت