فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 41

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وذهب إلى هذا أكثر العلماء, وهو قول السلف على الاتفاق. ولا يعلم عن أحد منهم أنه نفاه إلا ما جاء من عموم عن الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى بنفي التفاضل بين سور القرآن.

ولعل مراد الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى نفيه ذلك باعتبار المتكلم، وذلك أنا إذا فضلنا القرآن على اعتبارات، فإذا فضلنا سور القرآن على بعضها باعتبار المتكلم فإن المتكلم هو الله, والله جل وعلا واحد، فلا يقال حينئذ بالتفاضل في مثل هذا.

فجنس كلام الله جل وعلا من جهة ذاته واحد، وجعل الله جل وعلا له مجموع من الخصائص يشترك بعضها مع بعض، وخص الله جل وعلا بعضها ببعض من الخصائص مما ينفرد عن الآخر، والتفاضل باعتبار آخر يُحمل, وذلك بالنظر إلى اعتبارات متنوعة، ومن هذه الاعتبارات اعتبار المعاني، فإن المعاني تتباين، فما يتعلق بتوحيد الله سبحانه وتعالى بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته من جهة المعنى أولى بالعناية والنظر من غيرها، ولهذا يقال: إن هذه المعاني التي يذكر فيها ذلك هي أولى بالنظر، وعلى هذا يقال: إنها أفضل من غيرها مع الاشتراك في الفضل.

وهذا محل اتفاق عند أهل الإسلام، وبه نعلم أن الإنسان في أول دخوله للدين فإنه يجب عليه أن يتبصر بأمور توحيد الله سبحانه وتعالى، فلما كان كذلك كان يجب عليه عند ابتداء ذلك التعلم أن يبادر بتعلم آي العقائد، وهذا تفضيل لها عن غيرها بالبداءة.

كذلك أيضًا من جهة الأجر والثواب، والأجر والثواب مرده الدليل، وهذا نوع من الاعتبارات التي تتفاضل فيه الآي والسور.

فإذا قلنا: ليس للإنسان أن يفضل آيةً على آية أخرى، أو سورة على سورة أخرى إلا بدليل، فإذا دل الدليل على سورة فإنه دل على خصيصتها كتفضيل بعض الآي في الثواب على غيرها، كسورة الإخلاص والفاتحة والبقرة وآل عمران وغيرها من آي القرآن وسوره، فإن الدليل إذا دل على ذلك فهو محله التوقيف، وإذا دل إيقاعه على سورة بعينها أو آي بعينها، فإن هذا دليل على التخصيص وعدم اشتراك غيرها معها.

وهذا لا يمكن أن يقال بالاشتراك؛ لأن مرده الدليل، ولو كان ذلك ينسحب على سائر الآي والسور فإننا نقول بعدم الفائدة من تخصيص هذه الآية في الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا لا يمكن القول به عند أحد من أهل العلم والمعرفة.

ومن هذه الاعتبارات التي يشار إليها في مسألة التفاضل: مسألة الحرز والذي يحصل للإنسان بتخصيص آية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت