والصنف الثاني: أن ينظر إلى عظم ما تفرد به، فإذا تفرد بشيء ثقيل من المعاني لا يفوت على فقيه وعلى راو حافظ، فإن هذا يطرح حديثه، فالواحد منها يطرح الخمسين والمائة، وذلك أن مثل هذا لا يمكن أن ينطلي على حافظ ناقد بصير، ولهذا الأئمة رحمهم الله ينظرون إلى تفرد الراوي من جهة نوعه ومن جهة كمه، و معلى بن عباد يتفرد بالأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث ثقيل في فضل الإمامة، والإمامة يتنافس فيها الناس، وأمثال هذا الفضل ينبغي أن ينتشر عند أهل العلم والعبادة والديانة، والتنافس في ذلك. كذلك مسألة الإقامة، وأحقية الإمام والمؤذن فيها والفيصل في ذلك، فإن هذا من المسائل المهمة التي يحتاج إليها، ولهذا ذكر بعض النقاد في بعض الرواة حينما تفرد بالحديث قال: هذا الحديث يطرح له خمسمائة حديث يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه التفردات التي يتفرد بها إذا كانت تحمل معنىً ثقيلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم طرحت حديثه، وهذا ما ينبغي أن ينظر إليه عند مفاريد الرواة، وثمة قرائن يقبل فيها تفرد الراوي، وهذا قد تقدم الإشارة إلى شيء من مجموعها، من هذه القرائن التي يقبل فيها تفرد الراوي إذا تفرد بحديث أن يكون من طبقة متقدمة، والطبقة المتقدمة يقبل فيها التفرد. الأمر الثاني: أن يكون من المكثرين بالرحلة، ولقاء الشيوخ، والأخذ عنهم، فإن هذا يحمل منه التفرد أكثر من غيره، كابن شهاب الزهري فإن الإمام مسلمًا رحمه الله ذكر عنه أنه تفرد بسبعين سنة، وهذه السبعين لا يحمل عشرها إذا رواها غير الزهري، لأن الزهري من أئمة الرواية والإكثار، والرحلة في البلدان، فلما تفرد بمثل هذا حمل منه، لأن أحاديثه بالآلاف، بأن يتفرد بسبعين، يقبل هذا، كذلك مع تقدمه، ومن القرائن في ذلك أن يكون الراوي من أهل اختصاص بالرواية عن شيخه، فإن هذا مما يحمل عليه.