من السجن.
هنيئًا لك الحرية بعد السجن الطويل، لكن كيف تحلو لك الحرية وقد تركت خلفك إخوةً لا زالوا يقاسون ما كنت تشكو منه؟
إذا صلَّيت الجمعة، فتذكَّر رجالًا لم يصلُّوا الجمعة من سنين، يسمعون المنادي ولا حيلة لهم في إجابته.
وإذا شيَّعت جنازةً، فاذكر أخًا مات أبوه ولم يشهد جنازته.
وإذا نظرت إلى معصميك ولا يحيط بهما إلا الساعة، فاذكر أنَّ من رفاقك من لا زالت تثقلهم الأغلال.
وإذا خلوت بأسرتك، فاذكر من لا يجلس مع أسرته إلا بحضرة السجَّان.
وإذا أمسكت هاتفك المحمول، فلا تنس أخاك الذي لا يتَّصل إلا بإذن سفهاء الداخلية.
وإذا زارك من تحب، فاذكر تلك الأم التي ضربت السفر الطويل لزيارة ابنها فأخبروها أنَّ الزيارة قد أُجِّلت.
كُلْ ما شئت والبس ما شئت وأقِم حيث شئت، واذكر من يأكلون ويلبسون ويقيمون حيث شاء غيرهم.
وإن نسيت فلا تنس أختك المؤمنة التي تجرَّأ عليها زبانية ابن سعود سحبوها، ضربوها، ثم وضعوها داخل الزنزانة تنام وتستيقظ والعباءة عليها لأنَّ الكاميرات فوق رأسها، تصيح وتستغيث ولكن كثر الخاذلون، يحقِّق معها رجالٌ قد انسلخوا من الدين والأدب، تسمع قبيح اللفظ وتلقى سيء المعاملة، تتحدَّر دموعها على خدِّها فتمسح خدَّها لا تجد من يواسيها ولا يسلِّيها إلا أن تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
لا أحد منَّا يرضى هذا الحال لأخته أو بنت عمه، فما بالنا نرضاه لأختنا في الدين؟! أليس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول -كما في الصحيحين-:"لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه"؟
فإن رضيت أخي لأختك من الدين ما لا ترضاه لأختك من النسب ففي إيمانك خلل.
قاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك واذكر رجالًا ما سرت مسيرًا ولا قطعت واديًا إلا شركوك الأجر، حبسهم العذر.
إنَّ فكاك أسر أولئك واجبٌ على المسلمين، وهو عليك أوجب؛ لأنَّك أعلم الناس بحالهم، فقد تجرَّعت الذي لا زالوا يتجرَّعونه وأنت بحالهم بصير.
اذكرهم في سجودك وفي الثلث الأخير من الليل فإنَّ ذلك من أعظم العون لهم.
اخلفهم في عيالهم إن احتاجوا إلى نفقة أو إلى من يربِّيهم بعد أبيهم، وإن لم يكونوا بحاجةٍ إلى مربٍّ أو عائلٍ فهم بحاجةٍ إلى كلمةٍ طيبة، ونصيحةٍ صالحة، ووقفةٍ تشعرهم أنَّ في المؤمنين من يقف معهم وإن لم يكون بحاجةٍ إليهم.
أطلع المسلمين على حالهم واشرح لهم قضيتهم فرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع، ولعل سامعًا سمع منك فدعا بدعوةٍ فُتِحت لها أبواب السماء، ولرُبَّ حديثٍ تتحدَّثه في مجلس لا تلقي له بالًا يُحيي به الله قلوبًا غلب