جذوة الجهاد في سبيل الله ويأبى الله إلا أن يتمَّ نوره ولو كره المشركون، والواقع يشهد أنَّ شدَّة الأعداء على المجاهدين لا تزيد الجهاد إلا قوة، وكلما ازدادت الحرب على الجهاد ازداد المؤمنون إقبالًا عليه، وإنَّ شدَّة الأعداء إنما تصدُّ أولئك الذين لو خرجوا بين المجاهدين ما زادوهم إلا خبالًا وإنَّما قدَّر الله السجون ليميز الخبيث من الطيب.
إنَّ شدَّة الأعداء على المجاهدين إنما تُأثِّر في من إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله، وخيرٌ لصفوف المجاهدين أن تخلُوَ من هذا الصنف.
ولا يَظُنَّنَّ ظانٌّ أنَّ قضيتنا مع النظام السعودي إنَّما هي قضية الأسرى، إذ إنَّ قضية الأسرى قضيةٌ من قضايا، أساسها وأهمّها اختلال شرعية هذا النظام الذي ارتكب من النواقض ما هو معلومٌ لمن اطلع على الوضع، وليس المقام مقام تفصيل ذلك، ومن أراد الاستيضاح فليراجع كتاب [النظام السعودي في ميزان الإسلام] .
ثم هذه رسالة أُرسلها إلى إخوتي الذين خرجوا من السجن، تهنئةٌ وتذكرة، تهنئةٌ فاضت بها المحبة، وتذكرةٌ أوجبتها النصيحة إذ هي الدين، ولوددت أن يقوم بها غيري ولكن في نفسي ما لا بدَّ من إبلاغه:
أخا الإسلام، حمدًا لله على سلامتك، لقد كان الإفراج عنك أُنسًا وسرورًا كما كان سجنك حزنًا وهمًّا، ولقد كنت على بالي وبال من معي من الإخوة ما نسيناكم نتذكَّر حالكم ونتتبَّع أخباركم، ندعو لكم على كل حال، ونقنت من أجلكم في الصلوات المفروضة، ندعو لكم بالفرج ونسأل الله لكم الثبات، فقد عزَّ الثابتون وكثر المتساقطون.
أذكِّرك أخي بنعمة الله عليك، فأنا على يقينٍ أنَّ الله أنعم عليك في هذا السجن بنعمٍ عظيمة، إما طلب علم أو حفظ قرآن أو اجتهادٌ في صيامٍ أو قيام أو أنسٌ بمناجاة الله أو لذة استشعار لطفه أو زيادة تبصرةٍ أو شدة ثبات أو معاشرة الأخيار وكان السجن سببًا لكل ذلك.
تذكَّر أنَّ الله هو سبب كل تلك النعم وهو الذي توَّجها بالفرج من هذا السجن.
تذكَّر قولة يوسف عيله السلام: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) إي والله لقد أحسن بك إذ أخرجك من السجن، إنَّ خروجك هذا نعمةٌ من الله، وما أحوج النعمة إلى الشكر وما شُكِرت النعم بمثل تسخيرها في طاعة الله، فكما كان سجنك في سبيل الله فاجعل خروجك أيضًا في سبيل الله، ألست تقول في صلاتك: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ؟ فأتبع قولك بالعمل فإنِّي أراك أهلًا لذلك.
سل نفسك على ماذا سُجِنت وعلى أي شيءٍ خرجت، قارن بين سجنك وخروجك وإياك أن تكون سُجِنت لأجل شيءٍ من دينك ثم خرجت بعدما تنازلت عنه، ولئن اعتذرت بالإكراه فإنَّ عذرك قد زال بخروجك