فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 254

هم إخوتك، فإنما المؤمنون إخوة، وإنَّ هذا الشعور الأناني إذا انتشر في الأمة استراح أعداؤها.

إنَّ السعي في فكاك الأسارى على قدر الاستطاعة دينٌ ومروءة، وخُلُقٌ وأدب، وعذرٌ نعتذر به إلى الله ثم إليهم فلهم علينا حقٌّ كبير.

مع أنِّي على يقينٍ أنَّ السجن وإن كان بلاءً ومصيبة لكنَّ الله يجعل في طيَّاته كثيرًا من المنح، فرُبَّ نقمةٍ ساقت نعمة، وكثيرًا ما تحدَّثتُ عن السجن مع أناس سُجِنوا في سبيل الله فذكروا أنَّهم استفادوا من السجن أشياء ما كانوا ليستفيدوها لولا السجن.

إنَّ هؤلاء الحكَّام بسجنهم الظالم يحفرون قبورهم بأيديهم، ويكثرون أعداءهم، ويجنِّدون جيوشًا لحربهم، بل ويجتهدون في تسليحها، فكم من رجلٍ دخل السجن لا يعرف عن رِدَّة الحكام وعمالتهم شيئًا، فلبث ما لبث حتى أبصر الحال وفقه الواقع، وعرف معه أهلُ بيته وتربَّى على ذلك عياله.

إنَّ السجن إما أن يزيد السجين حبًّا في الدنيا فيتنازل عن مبدأه ويؤثر الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، وقد يبيع دينه بعرضٍ منها، أو يزيده بصيرةً بحقارتها فيخرج مجاهدًا بنفسه وماله لا يبالي بالدنيا ولا يستثيره حطامها، ثابتًا على دينه كالجبال الرواسي.

وإنَّ ما أراه ويبلغني -بفضل الله- أنَّ خير الصنفين يزداد في السجون يومًا بعد يوم، وإنَّ الطغاة يملؤون السجون بمن يتزود من العلم النافع والعمل الصالح ما يكون سبب ثباتهم في هذه الشدائد، ولا زال الطغاة يستكثرون ممن يجتهد عليهم بسهام الليل التي تهدم بنيانهم، وذلك أعظم سلاح المجاهدين.

إنَّ إخوتنا الذين هربوا من سجن حضرموت كانوا بضعةً وستين رجلًا فقط التحقوا بصفوف المجاهدين، فكانوا عبارةً عن سريَّةٍ متكاملةِ القدرات في جميع الاحتياجات، اختاروا طريق الجهاد اختيارًا وليس اضطرارًا، فقدر رأوا فيه التجارة الرابحة -كما أحسبهم-، كان فيهم القيادات العسكرية والدعاة وطلبة العلم وسُحُب الخبرات التي جاءت من الجبهات الأخرى لتصبَّ خَرَاجها في جزيرة العرب، وكان فيهم أشدُّ الأسلحة إرعابًا لأعداء الله الاستشهاديون الذين لا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا، منهم من أُسِر في سوريا أو في العراق، ومنهم من أُخِذ من بيته، ومنهم من أُسِر لا يعرف من الجهاد إلا اسمه، وخرجوا مجاهدين بأموالهم وأنفسهم.

كنت أتأمَّل فيهم وفي أثرهم في الجهاد وأقول في نفسي: هذا الأثر وهم بضع عشراتٍ من سجنٍ واحد، فكيف بعشرات الألوف الذين مُلأت منهم سجون جزيرة العرب، وكيف بمن في سجون مصر وليبيا وغيرها من بلاد المسلمين؟!

ولا أجد لهؤلاء الطغاة في سجنهم المجاهدين مَثَلًا إلا كصاحب الأخدود مع الغلام حيث قتل الغلام لأنَّه عبد ربًّا غيره، فترك الناس جميعًا عبادتَه وآمنوا بربِّ الغلام، وهؤلاء الحكَّام سجنوا المجاهدين ليُطفؤوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت