فتجد مثلًا عن الصحابة خلافًا في مسألة القرء, ومراد الله سبحانه وتعالى في ذلك, فقد جاء عن عائشة عليها رضوان الله تعالى في ذلك قولان, ويقال: إنما جاء في ذلك من تأويل عن عائشة عليها رضوان الله تعالى في ذلك أرجح من غيرها؛ لأن هذا مما يتعلق بأمر النساء أكثر من غيرهن. وكذلك أيضًا ينبغي أن يعلم أنه ما من آية من كلام الله سبحانه وتعالى من جهة الأصل إلا ولها سبب نزول على المعنى العام الذي تقدم الإشارة إليه, سبب نزول العام سياق عام, وذلك كأن يكون تهيأ الجو في المدينة ومكة على نزول آية من آيات أو حكم من الأحكام فنزل. وهذا إذا عرفناه أدركنا أهمية معرفة طالب العلم في أبواب التفسير؛ لتغير الزمان في المدينة ومراتبه, ولهذا فإن من أعظم المدركات لطالب العلم في أبواب أسباب النزول أن يعرف الأحكام وتسلسلها, وأن يربط بعضها ببعض كما يربط الإنسان نسبه بأبيه وجده. وذلك أن الإنسان إذا عرف أن الحكم نزل في سنة كذا أن يعرف الحكم الذي قبله في أي عام, فينظم الأحكام في سنوات معلومة مترابطة, هذه قبل هذه وهذه قبل هذه, فإذا عرف ذلك على سبيل التاريخ وعرف أحوالهم استطاع طالب العلم حينئذ أن يرجح في أبواب أسباب النزول. كذلك أن يزيل الإشكال الوارد عنده في حال تضاد وتعارض الآي في أسباب النزول, فإذا كان كذلك وفق إلى معرفة الراجح من المرجوح, وكذلك الصواب من الخطأ, وهذا لا يوفق إليه إلا من اجتهد وحرص على ذلك. وهذا لا يمكن أن يتحقق للإنسان إلا بمعرفة الإنسان بالتاريخ والسير والمغازي, ومعرفة الإنسان أيضًا بفقه الصحابة حتى يعرف تلك السنوات, كذلك معرفة بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم واطلاعًا موسعًا على كتب السنة وكتب التفسير, وعلى سبيل الخصوص تفسير آيات الأحكام, فإن أعظم ما يبين مواضع نزول القرآن هي آيات الأحكام.