النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قَبْلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وأمّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا"فإنَّ فِي إسْنَادِهِ عبيد الله بن عبد الله أبو المنيب العتكي، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ البُخَارِيّ وغَيْرُهُ (3) ؛ ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِهَا تَأْكِيدُهُ وَفَضِيلَتُهُ، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَذَلِكَ حَقٌّ، وَزِيَادَةُ الصَّلَاةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً، وَالتَّوَعُّدُ عَلَى تَرْكِهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَأْكِيدِهِ، كَقَوْلِهِ: «مَنْ أَكَلَ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا» اهـ (4) .
ثانيًا: أنّ أَقَلَّ الوِتْرِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وهو مذهب الشَّافِعِيَّةِ والحَنَابِلَةِ. قال القسطلاني:"فيه أَنَّ أَقَلَّ الوِتْرِ رَكْعَةٌ، وأنَّها تكون مَفْصُولَةً بِالتَّسْلِيمِ مِمَّا قَبْلها، وَبِهِ قال الأئِمَةُ الثَّلاثَةُ خِلافًا للحنفية حيث قالوا: يُوتِرُ بِثَلاثٍ كالمَغْرِبِ؛ لحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ بِهَا. كذلك رواه الحاكم وصححه (5) "اهـ (6) . وقال الشَّافِعِيَّةُ: (وَلَوْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ مَوْصُولَةٍ فَأَكْثَرَ وَتَشَهَّدَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، أَوْ) فِي (الْأَخِيرَةِ جَازَ) لِلِاتِّبَاعِ (لَا) إنْ تَشَهَّدَ (فِي غَيْرِهِمَا) فَقَطْ أَوْ مَعَهُمَا، أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ بِخِلَافِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَصْرَ لِرَكَعَاتِهِ وَتَشَهُّدَاتِهِ (وَالْفَصْلُ) وَلَوْ (بِوَاحِدَةٍ) أَفْضَلُ مِنْ الْوَصْلِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ إخْبَارًا وَعَمَلًا (ثُمَّ الْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ أَفْضَلُ) مِنْهُ بِتَشَهُّدَيْنِ فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَوَرَدَ «لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثٍ وَلَا تُشَبِّهُوا الْوِتْرَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ (7) (وَثَلَاثٌ مَوْصُولَةٌ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَةٍ) لِزِيَادَةِ الْعِبَادَةِ بَلْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إنَّ الْإِيتَارَ بِرَكْعَةٍ مَكْرُوهٌ) اهـ (8) . وقال فِي"التَّاجُ والإِكْلِيلُ":" (وَعَقِبَ شَفْعٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الْوِتْرُ وَاحِدَةٌ ثُمَّ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ شَفْعٍ قَبْلَهَا. وَانْظُرْ لَوْ صَلَّى الْوِتْرَ دُونَ شَفْعٍ فَقَالَ سَحْنُونَ: إنْ قَرُبَ شَفَعَهَا وَأَوْتَرَ، وَإِنْ بَعُدَ أَجْزَأَهُ لِقَوْلِ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُوتِرَ الْمُسَافِرُ بِرَكْعَةٍ؛ وَقَدْ أَوْتَرَ سَحْنُونَ فِي مَرَضِهِ بِوَاحِدَةٍ"اهـ (9) .
قال فِي"البدر المنير": ("عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أوتروا بِخمْسٍ أَو بِسبعٍ أَو بتسعٍ أَو إِحْدَى عَشْرَة» هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الدَّارَقُطنِيّ فِي «سنَنه» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» وَلَفْظهمْ: «لَا توتروا بِثَلَاثٍ، أَوْتِرُوا بِخمْسٍ أَو سَبْعٍ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» . وَلَفظ الرِّوَايَة الْأُخْرَى للْحَاكِم: «لَا توتروا بِثَلَاث، وَلَا تشبهوا(بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ) ، وَلَكِن أَوْتِرُوا بِخمْسٍ أَو بِسَبْعٍ أَو بِتِسْعٍ أَو بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً أَو أَكْثَرَ من ذَلِك» ) اهـ (10) ."
ثالثًا: إنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ ثُنَائِيَّةٌ، تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وهو مذهب مالك والشَّافِعِيّ فِي اللَّيْلِيَّةِ والنَّهَارِيَّةِ.
قال ابن قدامة فِي"الْمُغْنِي":"قَالَ: (وَصَلَاةُ التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى) يَعْنِي يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَالتَّطَوُّعُ قِسْمَانِ؛ تَطَوُّعُ لَيْلٍ، وَتَطَوُّعُ نَهَارٍ، فَأَمَّا تَطَوُّعُ اللَّيْلِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا مَثْنَى مَثْنَى. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ شِئْت رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ شِئْت أَرْبَعًا، وَإِنْ شِئْت سِتًّا، وَإِنْ شِئْت ثَمَانِيًا. وَلَنَا،"